معلقة؛ الطريق إلى صقلية
بقلمي الشاعر محمد علي باني
وقفت على شط البحار مفكرا
أحدث موجا هائما وحنان
فمد على وجه المياة أشعة
كأن بها دربا إلى الشطٱن
كأن طريقا من فضة قد شق في
قلب البحار لراكب ولهان
فقلت ؛ إلى أين المسير فإنني
أرى الدرب يمضي خلف كل مكان؟
فقال نسيم البحر سر متأملا
ففي البحر أسرار بلا عنوان
وسر حيث كانت في الزمان حضارة
أضاءت ربوع الأرض بالأذهان
هناك قرطاج التي ملأت الدنا
بمجد عظيم الشأن والسلطان
إذا ذكر التاريخ قامت شامخا
كطود منيع الأصل والأركان
اتتها الشعوب من البحار مهابة
وتعلمت الإبحار في الخلجان
وشقت سفائنها العباب كأنها
نسور سموات بغير عنان
فما كان مجد القوم صرحا مشيدا
ولا زخرفا يغري بكل عيان
ولكنه فكر إذا حل أمة
أقام لها بنيان كل مكان
فكم من قصور شادها القوم وانتهت
وكم من عقول عاشت الأزمان
فقلت فهل تبقى الحضاة خالدا؟
وهل ينجو الإنسان من حدثان ؟
فهاجت رياح البحر ثم أجابت
بصوت كأصداء المدى الرنان
إذا مات فكر القوم ماتت ديارهم
وان بقي الفكر استحال جنان
فليس حدود المجد سورا مشيدا
ولكن حدود المجد في الوجدان
ورحت أتبع نور بدر ساطع
كأني أسير الحلم لا الشطٱن
وابصرت صقلية البعيدة لمعة
تلوح كذكرى غابر الأزمان
فما هي إلا جزيرة في بحرهم
ولكنها رمز الى الخسران
فكم صنع الإنسان أرضا عامرة
وكم باع كنزا زهرة البستان
وكم أمة كانت تهاب جموعها
فأضحت حديث الاسى والهوان
لأن الذي ضاع الحقيقة ليس ما
يرى العيون من البنيان
ولكنه الفكر الذي إن غاب عن
شعوب توارت خلف كل هوان
وبين تأملنا وسحر ليالنا
بدت صورة تهدي إلى العرفان
رأيت صغارا عند شطء هادئ
يقيمون من رمل عظيم حصان
وهذا يشيد قصره مفتخرا به
وذاك يعلي السور والتيجان
وقد ملأت افراحهم جنباتهم
كأنهم ارباب هذا الزمان
فقلت؛ هكذا الناس منذ وجودهم
يبنون أملا بلا حسبان
وما هي إلا هبة من رياحه
وأقبل موج البحر كالطوفان
فمر على ما شيدوه فلم يدع
قصورا ولا ابراج حسن بيان
وغاب الذي بنوه في لمح ناظر
كأن لم يكن يوما من العمران
فأطرقت القمر المضيء أمامنا
بريق على وجه الماء معاني
وقلت كذا الدنيا تبني قصورها
ونغفل عن حكم الزمان الفاني
فلا البحر يبقى ساكنا في مداه
ولا القصر يبقى خالد البنيان
ويبقى من الإنسان فكر صالح
إذا وارت الأجساد الأكفان
فطوبى لمن خلف العقل هاديا
وخلف في الدنيا جميل بيان
التوقيع؛
أنا إبن حرف إذا ما لامس الألم
نبض الحنين به، وارتد ملتهما
محمد علي باني/ تونس