هروب ق.ق
▪︎▪︎▪︎▪︎
التصقت به الأيام ككائن طفيلي يقتات من روحه.
في البداية ظن أن الزواج طريق.
ثم اكتشف بعد سنوات أنه صار جدارا طويلا يسير بمحاذاته كل يوم دون أن يجد بابا.
لم يكن يكرهها.
ولو كرهها لعرف كيف يرحل.
لكن المشكلة أنه كان يرى ضعفها كما يرى أذاها.
كانت تختلف مع الجميع تقريبا.
مع أمها.
ثم أختها.
ثم الجارة.
ثم زميلات العمل.
وفي كل مرة تعود بالشكوى نفسها:
الجميع يظلمونها.
الجميع يسيئون فهمها.
أما هي فكانت الضحية الوحيدة.
كان يستمع ويصمت.
ثم يحاول إصلاح ما أفسدته مع الآخرين كما اعتاد دائما.
وذات مساء، بينما كانت تشكو من خلاف جديد، سألها بهدوء:
ـ وهل اعتذرت لها؟
حدقت فيه كأنه قال شيئًا مستحيلا.
ثم أجابت:
ـ أعتذر؟! وأنا صاحبة الحق؟
صمت.
وبينما كانت تواصل حديثها، أدرك فجأة أنه لم يبق تقريبا شخص واحد لم تختلف معه.
نظر من نافذة السيارة إلى الشارع المظلم وابتسم بمرارة.
ربما لم تكن المشكلة في الغرفة كلها..
ربما كنت أنا الشباك الوحيد الذي ظل مفتوحًا.
- كانت تغار من كل شيء يمنحه راحة بعيدا عنها.
صديق قديم.
كتاب.
ساعة هدوء.
حتى فرحته الصغيرة كانت تثير ضيقا خفيا داخلها.
كأنها تخشى أن يأخذه شيء من عالمها.
وربما كانت تخشى الفقد أكثر مما تخشى الخسارة.
فقد جاءت من سنوات قاسية تعلمت فيها أن كل شيء قابل للاختفاء.
المال.
الأمان.
والناس أيضا.
وحين دخل حياتها لم تر فيه رجلا أحبته فقط.
بل رأت نجاة تأخرت كثيرا.
ولهذا كانت تتشبث به حتى وهي تدفعه بعيدا.
- في إحدى الليالي كان يضحك عبر الهاتف مع صديق قديم.
أنهى المكالمة وعاد إلى الصالة.
هزت رأسها ثم قالت:
ـ يبدو أنك سعادتك مع الناس أكثر من سعادتك معي.
قال:
ـ ليس كل شيء يحتمل المقارنة.
لكنها كانت قد انسحبت إلى صمتها المعتاد.
وفي تلك الليلة نام وهو يشعر بذنب لا يعرف مصدره.
- وحين كان يغضب، كانت تسرد عليه حكايات عن نساء خانوا أزواجهن أو هجرن بيوتهن.
ثم تنظر إليه نظرة تحمل معنى واحدا:
انظر كم أنت محظوظ.
فيخرج من الحديث شاعرا بشيء يشبه الامتنان القسري.
وكأن المطلوب منه ألا يكون سعيدًا..
بل أن يكتفي بأنه أقل تعاسة من غيره.
- حاول أن يرتقي بها.
شجعها على التعلم اكثر.وعلى الانفتاح على الناس.
وعلى رؤية الأمور من زوايا أخرى.
لكنها كانت تعود دائما إلى النقطة نفسها:
الخطأ عند الآخرين.
والحق معها وحدها.
ومع الوقت بدأ هو يختفي.
توقف عن الضحك.
ثم عن الحلم.
ثم عن الحكايات الصغيرة التي كان يرويها بلا سبب.
وذات مساء كانت تعد الطعام في المطبخ.
نادته مرة.
ثم مرتين.
ثم ثلاثا.
وحين جاء أخيرا قالت بضيق:
ـ أين كنت؟
كاد يجيب:
لا أعرف.
لأنه فعلا لم يعد يعرف أين يقضي أغلب وقته.
داخل البيت..
أم داخل نفسه.
- والأغرب أنها كانت ترى ذلك.
ترى الإرهاق في عينيه.
والانطفاء الذي يتسع داخله يوما بعد يوم.
لكنها كانت تتعامل معه كما يتعامل الناس مع ساعة حائط قديمة.
لا يهم إن كانت سعيدة أو حزينة.
المهم أنها ما زالت معلقة في مكانها.
كان يعود آخر النهار.
ويجلس إلى المائدة.
ويرد إذا نادته.
أما ما يحدث داخله فلم يكن يعنيها كثيرا.
وكأن وجوده أهم لديها من حياته.
- وفي ليلة متأخرة جلس وحده في الصالة.
نظر إلى البيت الذي أفنى فيه عمره.
الصور على الجدران.
الأثاث الذي اختاره بنفسه.
الستائر التي تغير لونها مع السنوات.
كل شيء بدا مألوفا إلى درجة الغربة.
وفهم الحقيقة أخيرا.
لم تكن هي السجان الوحيد.
كان هو أيضا شريكا.
هو الذي هرب من المواجهة.
وهو الذي قدم التنازل وراء التنازل.
وهو الذي بنى جدران سجنه حجرا فوق حجر.
شعر بتعب أكبر من الغضب.
وأكبر من الحزن.
وعندها خطرت له الفكرة.
بهدوء مخيف.
لماذا يموت ببطء..
بينما يستطيع أن يختفي؟
- في الصباح لم يكن هناك أثر له.
فقط رسالة صغيرة على الطاولة:
"لا تبحثي عني."
- بحثت عنه طويلا.
في البداية لتلومه.
ثم لتفهمه.
ثم لتفهم نفسها.
ومع مرور الوقت وجدت نفسها تنظر إلى حياتها للمرة الأولى دون وسيط.
إلى خصوماتها القديمة.
إلى الأبواب التي أغلقتها بيديها.
إلى الناس الذين ابتعدوا واحدا بعد آخر.
وإلى الرجل الذي اختنق سنوات أمام عينيها بينما كانت تظنه بخير.
اعتذرت لأختها بعد سنوات من القطيعة.
زارت أمها أكثر.
وأعادت أرقاما قديمة إلى هاتفها.
لم تتغير دفعة واحدة.
لكن أحدا لم يعد موجودا ليحمل عنها نتائج أخطائها.
- أما هو فكان في مدينة أخرى.
مدينة لا يعرفه فيها أحد.
عمل جديد.
وجوه جديدة.
وصمت جديد أيضا.
كان يستيقظ أحيانا مثقلًا بالذنب.
ويتساءل إن كان ما فعله نجاة أم خيانة.
ثم يخرج إلى الشارع.
ويرفع وجهه إلى الهواء.
فيشعر أن شيئا ما عاد يتحرك داخله.
شيئا ظنه مات منذ زمن.
كان الحزن يرافقه.
لكن الحزن يمكن احتماله.
أما الاختناق..فلم يعد يستطيع احتماله.
- مرت سنوات.
ولم يعثر أحد على أثر له.
كما لم يعثر هو على مبرر كامل لما فعل.
لكن شيئا واحدا فقط ظل يعرفه يقينا:
أن الرجل الذي خرج من ذلك البيت ذات فجر..
لم يعد إليه أبدا.
طارق الحلوانى
يونيو ٢٠٢٦