أعلام خضراء ق.ق
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
قبل مولد البشندى بأيام، كانت دار الشيخ إسماعيل زبادى تصبح أكثر بيوت الناحية ازدحاما.
يجلس الرجال منذ الصباح حول الطبول الفخارية. يشدون عليها الجلود القديمة، فتخرج من أول ضربة رنينا حادا. أما الجلود الجديدة، فيقلبونها طويلا فوق النار حتى يحترق الشعر العالق بها، وتملأ رائحته الحارة كلها.
كان الصغير يعرف تلك الرائحة أكثر مما يعرف رائحة الخبز.
كلما شمها، ترك لعبه ووقف عند باب الدار.
لم يكن ينظر إلى الطبول.
كان ينظر إلى الأعلام.
أعلام طويلة من حرير أخضر، يجرى الضوء فوقها، كتبت عليها أسماء الطرق بخيوط بيضاء، وتدلت من أطرافها شراشيب تهتز مع أقل نسمة.
كان يتمنى أن يحمل واحدا منها.
لكنها كانت تخرج فوق أكتاف الكبار فقط.
حين ينتهى الشيخ إسماعيل من شد آخر رق، يقف الرجال فى صفين، وتمتد المزاهر بينهم، ثم يبدأ الضرب الخفيف.
يميلون جميعا ناحية اليمين.
ثم ناحية الشمال.
"بيفقروا."
لم يكن يعرف معنى الكلمة.
كان يظنهم يرقصون.
يقف هو وسنيورة خلف السور الطينى، يقلدانهـم.
يميلان معا ناحية اليمين.
ثم ناحية الشمال.
ثم يضحكان حتى يخرج الشيخ إسماعيل من الدار، فيهربان كل فى اتجاه.
كانت سنيورة تصحب أباها إلى موالد القرى المجاورة.
وحين تعود، تجلس معه تحت شجرة التوت وتحكى.
عن رجل كفيف أبصر بعدما بات ليلة عند المقام.
وعن بقرة ضاعت، فعادت بعدما نذر صاحبها ذبيحة للبشندى.
وعن طفل اختفى بين الناس، فرآه أبوه نائما عند باب الضريح.
وكان يصدقها.
وفى يوم، وجدته ينظر إلى الأعلام.
قالت:
ـ نفسك تشيل واحد؟
هز رأسه.
خفضت صوتها:
ـ روح مع الزفة.. ومتخفش.
ـ وأمى؟
ضحكت.
ـ البشندى بيحمى العيال.
من يومها، كلما مر أمام دار الشيخ، تذكر الجملة.
فى الليلة الكبيرة، خرج أبوه إلى العمل صباحا.
وانشغلت أمه بصينية الفتة التى سترسلها إلى المقام.
نظر إلى الشمس.
ثم إلى الطريق.
وخرج.
كان الموكب قد تحرك.
الشيخ إسماعيل فى المقدمة، يمسك الميكروفون.
وخلفه الرجال يضربون على الطبول والمزاهر، يتمايلون فى صفين.
وبينهم الأطفال الكبار يحملون الأعلام الخضراء.
بدت له أطول من النخيل.
كلما وقفوا أمام بيت، نادى الشيخ باسم صاحبه، ودعا له.
خرج رجل، ووضع ورقة فى يده.
طال الدعاء.
ثم خرج صاحب بيت آخر، ووضع ورقتين.
فطال الدعاء أكثر.
نظر الصغير إلى الشيخ.
ثم إلى الورقتين.
ومشى.
كان الطريق يضيق كلما اقتربوا من المقام.
لكن الدنيا كانت تتسع.
روائح الحمص والذرة المشوية.
أصوات الباعة.
صياح أصحاب المراجيح.
ورجال ينادون على السيرك.
كل شىء يجرى فى وقت واحد.
ورأى سنيورة.
كانت تمشى إلى جوار أبيها، تحمل علما صغيرا.
لوحت له.
ولوح لها.
ثم اندفع بينهما فوج من الرجال.
اختفت.
واختفى معها الطريق.
رفع رأسه.
وجرى وراء أول علم أخضر رآه.
فلما لحق به، وجده علما لفرقة أخرى.
رفع رأسه مرة ثانية.
وجرى وراء علم آخر.
ثم آخر.
حتى لم يعد يعرف من أين جاء.
وقف وسط الزحام.
كان يريد أن ينادى على سنيورة.
لكن الطبول كانت أعلى من صوته.
همس:
ـ يا بشندى..ولم يسمعه أحد.
لم يدر كيف خرج من الزحام.
كل ما بقي فى ذاكرته يد خشنة أمسكت بكفه.
سأله رجل عجوز:
ـ أنت ابن مين يا واد؟
ذكر اسم أبيه.
هز الرجل رأسه.
وأوصله إلى أول الطريق المؤدى إلى القرية.
حين دفع باب البيت، كان أبوه واقفا فى الفناء.
نظر إليه طويلا.
ثم خلع حزامه.
نام على حصيره، وجذب الغطاء فوق رأسه.
كان ظهره يؤلمه كلما تحرك.
سمع أمه تقول:
ـ كان لازم تضربه بالشكل ده؟
طال الصمت.
ثم جاء صوت أبيه خافتا:
ـ قلت ضاع.
وسكت.
ـ المولد ده.. لو العيل غاب فيه، محدش يعرف يجيبه.
ثم همس:
ـ فضلت ألف عليه بين الشحاتين.. وقدام خيام السيرك.. وورا المراجيح... كل ما أشوف عيل من ضهره أجرى عليه.. وأقول يمكن هو.
تنهد طويلا.
ـ الحمد لله.
تحت الغطاء، فتح الصغير عينيه.
وتذكر الشحات الذى كان يجر طفلة من يدها.
والولد الذى كان يبكى عند عربة الحمص.
والرجل العجوز الذى أمسك بيده.
شد الغطاء على وجهه.
ولم ينم.
فى الصباح، خرج وحده.
لم تكن هناك طبول.
ولا مزاهر.
ولا أعلام.
كان أصحاب المراجيح يفكون أخشابها.
ورجل السيرك يحمل الوتد على كتفه.
وصاحب البمب يجر عربته.
وقف يتفرج.
سأل رجلا يربط حماره بعربة محملة بالأخشاب:
ـ رايحين فين؟
ابتسم الرجل.
ـ على مولد سيدى على.. الدور عليه.
ظل ينظر إلى العربات حتى ابتعدت.
كانت كلها تمضى فى اتجاه واحد.
اقترب من المقام.
لم يعرفه فى البداية.
اختفت الأقمشة الملونة.
وانطفأت اللمبات.
واختفت الأعلام الخضراء.
كان عامل يفك آخر قطعة قماش من فوق المدخل، ويطويها تحت ذراعه.
وقف ينظر.
سمع صوتا خلفه يناديه.
التفت.
كانت سنيورة.
وقفت تلهث.
وقالت فى خجل:
ـ عرفت إنك انضربت.. بسبب البشندى.
وسكتت.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، كأنها تريد أن تطمئنه.
ـ متزعلش.
ظل ينظر إليها لحظة.
ثم أدار وجهه.
ومشى.
نادته مرة أخرى.
لم يلتفت.
عند باب المقام، انحنى.
التقط حجرا صغيرا.
قبض عليه.
ورفع عينيه.
لم يكن هناك إلا الباب الخشبى المغلق.
وآثار مسامير الزينة على الجدار.
فتح كفه.
ظل الحجر لحظة فوق راحته.
ثم سقط على التراب.
استدار.
وفى أول الطريق، رأى أباه عائدا من الفرن، يحمل الخبز تحت ذراعه.
فلما رآه، وضع يده على كتفه.
مضيا معا.
وبعد خطوات..مد الصغير يده.وأمسك يد أبيه.ومشى.
ولم ينظر خلفه.
طارق الحلوانى
يونيو ٢٠٢٦