تمرّد/ قصة قصيرة
ليلى المرّاني / العراق
أجلس الآن على حافّة مسطبة في شارع بعيد عن بيتنا، لا أعرف كيف وصلت إلى هنا بعد أن ركضت حافية القدمين بأقصى ما أستطيع من سرعة وكأن كلاباً تطاردني!
إلى أين سأذهب، تائهةً أتساءل بذهول،" ماذا حصل؟ "… " من أين جاءتني تلك الجرأة لأقف في وجهه دون الآخرين؟ "، هل هي دموع أمي الصامتة، أم صوته الغاضب وهو يقذف البيضة على الحائط، ويسبّ ويلعن؟ أم نظرة الظفر التي التمعت بعينَي زوجته؛ فاستفزّتني؟
في هذا الصباح، وكالمعتاد أعدّت أمي الفطار، بيض مسلوق نصف سلق كما يفضّله أخي، فجأةً غضب ورمى البيضة على الحائط ، صارخًا، ولأول مرة بوجه والدتي،
_ ما هذا؟ إنها يابسة.
ابتلعت أمي ريقها بصعوبة
_ سأسلق لك غيرها.
_ لا أريد، انسدّت شهَيتي.
ونهض غاضبًا، تلاحقه نظرات أمي المنكسرة، وأخوتي المتفاجئين والخائفين… نظرت إلى وجه زوجته، استفزّتني نظرتها الساخرة وابتسامتها التي حاولت أن تخفيها… أخذ الدم يغلي في رأسي، صرخت وأنا أبكي، " حقير "
التفت إليّ وحمم بركان تتفجّرفي عينيه، وقبل أن يهجم عليّ، انطلقت إلى الشارع حافية القدمين.
حتى هذه اللحظة لا أصدّق كيف أطلقت صرختي بوجه أخي! هل هي دموع أمي وانكسارها؟ أم نظرة الشماتة والانتصار في عينَي نهى، زوجته؟ أم تراكمات من القهر والخذلان بعد أن كنت أخته المدلّلة، وأقرب أخوته إليه؟
أسئلة كثيرة تتصارع في رأسي، ولا أجد لها إجابة، والسؤال الأكثر إيلامًا الآن، والذي يرعبني،" أين سأذهب؟ وكيف سأعود إلى البيت؟ وماذا تفعل الآن أمي؟ "
نظرات المارّة أخذت ترعبني، حاولت أن أرفع قدميّ الحافيتين، أخبّئهما تحت ثوبي، وأخفض نظري إلى الأرض كي أتجنّب فضول بعضهم!
كان صباح اليوم صيفيّا، حارّا وحذرًا بامتياز، فقد حاولنا أن نعتاد الصمت وأن نحذر أيّ تصرّف أو كلمة قد ننطقها بعفوّيةٍ منذ أن دخلت ( نهى ) بنت الحسب والنسب، زوجة أخي إلى بيتنا الذّي كنّا نملؤه ضحكًا وضجيجًا، نظراتها المستنكرة ألجمت أفواهنا… أصبحنا حين ( غزت ) بيتنا، نحذّر بعضنا كي لا نقع في خطأ ولو بسيط يثير حفيظتها؛ فتنسج منه قصةً طويلة تثير غضب أخينا الكبير أو امتعاضه، الأخ الذي بذل جهدًا كبيرًا في تربيتنا وتوجيهنا في غياب والدنا الذي استنفد عمره في السفر طلبًا للرزق، فكان زواجه متأخرًا بعد أن اجتاز الثلاثين بسنوات.
عادةً أمي هي مَن تعدّ كلّ شيء ، وعادةً زوجة أخي هي الأميرة المدلّلة التي تراقب بامتعاض، ولم أدرك حينها لماذا هي ممتعظة دائمًا، حتى سمعتها يومًا متبرّمةً تقول لأخي،
_ إلى متى نبقى نعيش مع عائلتك الكبيرة؟ يحقّ لي أن أعيش في بيتي الصغير.
كنت ألصق أذني بثقب بابهم، وأنصت بكلّ حواسي…
_ يحقّ لك حبيبتي، ولكن ليس الآن.
ولأول مرة أسمع صوت أخي رقيقًا، دافئا… يكاد يكون متذلّلا…
_ متى؟ لا أريد أن أضع طفلًا في هذا البيت الذي تملؤه الفوضى والضوضاء.
_ حين يعود والدي من السفر، سأحدّثه عن الموضوع ، لا أستطيع ترك عائلتي دون سند.
_ ولكن هناك أخوك منذر.
يبدو أن أخي ضحك بسخرية أو مرارة، لا أعلم!
_ منذر؟ منذر لا يزال يتعثّر بخطاه، عمره سبعة عشر عاما فقط.
_ المهم، طفح الكيل ، لم أعد أحتمل…
أحسست بيد تسحبني بقوّة، كانت أمي
_ ماذا تفعلين يا مجنونة؟ كيف تتنصّتين على أخيك وزوجته؟
_ أكرهها، تريد أن تأخذ أخي منّا وترحل…
وازداد كرهي لها! هل هي تراكمات من القهر والخذلان بعد أن كنت أخته المدلّلة، وأقرب أخوته إليه؟ أنا لا أزال في الرابعة عشر من عمري، كيف واتتني هذه الجرأة والتمرّد؟ ماذا كان سيفعل لو أمسك بي؟ سيضربني حتمًا كي يرضي غرورها، ولكنني هربت وحرمتها فرصة التشفّي بي…