تشكيل عصابي ق.ق
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
في الثلث الأخير من الشهر،حين تعلن الجيوب إفلاسها بصمت،وتتحول الأيام إلى أرقام تُعدّ لا تُعاش،كانوا جالسين في مكتبهم بعد صلاة الظهر.
مكتب لا يعرف التجديد.
مكاتب ملتصقة كأنها تتساند من التعب،
دولايب حديدية تعلوها ملفات غطاها تراب يزيد عمره عن عشر سنوات،
ومروحة سقف أرهقها الزمن،تدور ببطء،كأنها تشتكي الإهمال،أو تشاركهم الضيق.دخل زينهم عامل البوفيه،
بنفس الابتسامةالجاهزة: — حد هيشرب حاجة يا بهوات؟
لم يرد أحد.
أعادها بعد ثانيتين: — حد هيشرب حاجة يا هوانم؟
محدش رد.
خرج زينهم وهو يهز رأسه،وبمجرد أن أغلق الباب، تمتم ربيع: — بهوات.. هوانم..ضحكة خفيفة خرجت،ضحكة بلا روح،ثم ساد الصمت. قال سيد وهو ينظر للأرض: — مطلوب مني مرافق، وإيجار، وديون من الشهر اللي فات..مش عارف أروح البيت أعمل إيه.
رد ربيع: — خطيب بنتي بقاله ست شهور مستعجل..عايزين نحدد كتب كتاب ودخلة.. وأنا لسه في حاجات كتير ما اتجابتش.قالت فاطمة من غير ما ترفع عينها: — جوزي طلع معاش مبكر..ومريض..المعاش على المرتب..بيكملوا بالعافيةلحد يوم عشرين.
صمت.
قالت واحدة أخرى، كأنها بترمي حجر: — للأسف مفيش حلول..حتى مش عارفين نسرق علشان نعيش.
ضحكوا.
ضحكة مرتبكة..
ثم انطفأت.
قال سيد: — طيب نعمل إيه؟
قالت واحدة وهي ترفع كتفيها: — نعمل عصابة.
انفجروا ضحكًا. لكن الضحك، هذه المرة،
تأخر قليلًا قبل أن يهدأ.
سأل ربيع: — عصابة إيه؟
قال آخر بعد تفكير: — استحلال.
— يعني إيه؟
— ناخد حقوقنا بطريقتنا.
— إزاي؟
— غيرنا في نفس المبنى.. بيقبضوا قدنا خمس مرات.
إحنا مش عايزين أكتر
عايزين الفرق.
قال سيد: — وهي دي العدالة.
قال ربيع: — ومش حرام.
— الحرام إنك تسكت..
وتستسلم..
وتشوف وتعمل عبيط.
قالت فاطمة: — الكلام ده خطير.
رد عليها: — بس يستاهل التفكير.
ساد الصمت من جديد.
ثم قال سيد وهو يبتسم لأول مرة: — يعني.. بكرة نبقى حرامية بجد..ونحقق أحلامنا.
ضحكوا.لكن الضحكة دي كانت مختلفة. ضحكة فيها شيء من الأمل.
سكتوا بعدها.وكل واحد سرح..لحظة قصيرة..كأن المكتب اتسع فجأة.
ربيع شاف نفسه مسدد الإيجار.سيد شاف بنته لابسة فستان أبيض.
فاطمة شافت الدوا متجاب قبل ما يخلص.
واحد شاف الشهر عدى من غير استلاف. ولا حاجة كبيرة.ولا رفاهية.
مجرد حياة ماشية.
المروحة مازالت تدور.
الملفات في مكانها.
لكن الخيال سبق الواقع بخطوة. قطع اللحظة صوت إشعار على هاتف.
ثم آخر.ثم ثالث.
سيد فتح الرسالة، قرأ،
ابتسم ابتسامة غريبة.
قال: — اسمعوا..
وقرأ:
في إطار مواجهة الأزمةالاقتصادية، تقرر تخفيض المرتبات العليا، وتوحيد الأجور داخل الجهات الحكومية، بنسبة ٢٥%، تحقيقًا للعدالة الاجتماعية.
رفع رأسه.نظروا لبعضهم.ثانيتان صمت.
ثم.. ضحكوا.
ضحكوا ضحكًا عاليًا،
متواصلًا، ضحك ناس كانت فاكرة نفسها على بُعد خطوةمن تحقيق الأحلام.. فاكتشفت إن العدالة وصلت فعلًا،لكن من طريق تاني.
ضحكوا.. والمروحة مازالت تدور٠
طارق الحلوانى