الولادة الثانية ...
في اللّيلة التي ..
نسي فيها القمر إسمه
خرجت الظلال تمشي
من دون أصحابها ..
وكان الصمت يرتّب الكائنات
بحنان ناسك يخاف
أن يوقظ الغياب ..
كنت وحدي اصغي
إلى نبض حجر يشيخ
على حافّة النهر ..
كأنّه يحفظ سرّ الماء
منذ كان المطر طفلا
ولم يكن الليل ليلا
بل كتابا سقطت منه
الصفحة التي كتب فيها
إسمي أنا ..
لهذا ظللت أعبر الجهات
وأطرق أبواب الريح
وأفتّش في جيوب الغيم
عن حروف تشبهني ..
رأيت الأشجار تتبال الظلال
كي لا تشعر بالوحدة ..
ورأيت الطيور تؤجّل رحلتها
لأن السماء لم تمنحها
تأشيرة لإنعدام الضوء ..
وكانت الطرقات تنحني
كلّما مرّ حالم ..
كأنّ الإسفلت يعرف أن الأقدام
لا تقيس المسافات
بل الأحلام ..
آه .. كم من مرّة حسبت
أنّني وصلت ..
فاكتشفت أنّ الوصول
كان يبتعد بخطوة أخرى ..
كي أتعلّم أن الجهات تولد
داخل القلب ..
لا على الخرائط ..
عندها أدركت أن العالم
لم يكن أوسع منّي
ولا أنا أضيق منه ..
وأنّ العمر ليس ما عبر
فوق كتفي ..
بل ما استطاع أن يبقي
الدّهشة مستيقظة في عيني ..
وحين لاح الصباح ..
لم تشرق الشمس
أنا الذي أشرقت ..
بعد عمر طويل كنت أظنّ
أنّ الضوء ..
يأتي من السّماء ...
بقلم : معز ماني . تونس .