معلقة؛ بين العصا واليم
بقلم الشاعر محمد علي باني
قفا نسأل الأيام عن سر ما مضى
ففي صفحات الدهر عبرة من وعى
وفي اليم أسرار تردد موجها
حديث بقي في الدهر أثرا لمن وعى
وبين الذي شق البحار بعصوه
وبين الذي ارداه يم بما طغى
تبين أن العز عز عقيدة
وأن جمال الملك يفنى وينقضي
عصا لم تكن إلا خشيبة في كفه
فصارت بأمر الله فلقا لما طغى
ويم عظيم الموج أصبح طائعا
لأمر الذي أمضى المشيئة والقضى
وقام كليم الله والخطب معضل
وفي القلب يقين لا يزول ولا يفنى
أمامهم يم تلاطم موجه
وخلفهم جيش الطغاة قد استعلى
فقال بقلب موقن وصوت ثابت
إلى الله ملجأنا إذا الخطب أعيا
فلما أتى أمر الإله تفتحت
طروق النجاح وانجلى كل بلاء
فتفجر في لج المياه لنا مسرى
وصار المحال بقدرة الله منجليا
وقامت جبال المياه حول طريقهم
كأن صروح اليم حصن لما نجى
ومر بنو الإيمان فوق طريقه
وقلبهم بالوعد يحيا ويرتقي
فما خاب من ألقى على الله أمره
ولا ضاع من بالصدق سار واهتدى
هنا كان بحر الخوف باب نجاتهم
وهنا هوى الجبار لما تعدى
وأقبل فرعون بجيش مهيبة
يرى القوة العمياء فوق الحق سيفا
رأى الدرب ممدودا فأعماه كبره
فظن نجاة المرء تشرى بالقوى
تقدم والأوهام تحمل خطوه
وخلف خطاه الغي يمضي إلى الردى
فلما دنا الجيش الذي زاد بغيه
أتى أمر ربي فانطوى من تعدى
وعادت مياه اليم بعد سكونها
فكانت على جيش الطغاة له ردى
فلا تاج أبقى من تجبر فوقه
ولا الملك يحمي من تمادى واعتدى
وبقيت حروف اليم تروي حكاية
بأن العلو لمن إلى الحق إهتدى
فما كل بحر في الحياة مهابة
وما كل موج يحمل الخوف والردى
فكم من ضعيف قاده الصدق للعلا
وكم من قوي أسقطته الأماني
وبين عصا موسى ولجة ذاك اليم
بقيت عهود الحق فوق الثرى
فيا من يبني المجد فوق مظالم
تذكر بأن الظلم يفنى وينطوي
ويا من يرى في القوة اليوم منجة
تأمل مصير الغارقين بما طغى
فليس عظمات الرجال بمالهم
ولكن بما في القلب من صدق ما نوى
وبين الذي شق البحار بعصوه
وبين الذي إرداه يم بما طغى
تبقى لنا درس الزمان وحكمة
بأن الحقيقة لا تموت ولا تطوى
التوقيع؛
أنا إبن حرف إذا ما لامس الألم
نبض الحنين به، وارتد ملتهما
محمد علي باني/ تونس