مررتُ بقبرٍ البارحة
بقلم: محمد طه سليمان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مَرَرْتُ بِقَبْرٍ البَارِحَةَ، فَإِذَا
بِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَأَتَمَعَّنُ
صِرْتُ أُقَلِّبُ الذِّكْرَى، أَيْنَ الأَهْلُ؟
أَيْنَ الرِّفَاقُ؟ وَقَلْبِي مُحْزَنُ
فَنَادَى مِنَ الأَعْمَاقِ: كَمَا أَنْتَ
الآنَ كُنْتُ أَسِيرُ وَأَتَبَيَّنُ
كَمْ سِرْتُ فَوْقَ أَدِيمِ الأَرْضِ أَطْلُبُ زِينَةً
، وَكَأَنِّي فِي الخُلُودِ مُمَكَّنُ
فَلَمَّا دَعَانِي المَوْتُ أَسْلَمْتُ خَاضِعًا،
وَمَا نَفَعَنِي مَالٌ وَمَسْكَنُ
فَارْتَعَدَتِ الأَوْصَالُ مِنِّي رَهْبَةً،
وَمَالَ بِظَهْرِيَ الخَوْفُ وَمَا كِدْتُ أَرْكَنُ
وَأَطْلَقْتُ عَيْنِي فِي المَقَابِرِ بَاحِثًا،
فَمَا لإِنْسٍ فِيهَا يُومِئُ وَيُعْلِنُ
سُكُونٌ مُهِيبٌ، وَبَدَتِ القُبُورُ
وَكَأَنَّهَا بَحَارُ أَسًى فَوْقَ التُّرَابِ تُسْجَنُ
وَإِذَا بِصَوْتٍ يَقُولُ: وَيْحَكَ إِنَّنِي
أَرَاكَ غَدًا أَوْ بَعْدَ غَدٍ فِيمَا أُقِيمُ وَأَسْكُنُ
فَلَا تَغْتَرِرْ بِدَرْبٍ إِنْ طَالَ مَوْكِبُهُ،
فَكُلُّ طَرِيقٍ لِلْمَنِيَّةِ مُعْلَنُ
وَإِذَا بِعَجُوزٍ يَظْهَرُ فَجْأَةً،
وَكَانَ لِلْحَقِيقَةِ أَعْيُنٌ
فَقُلْتُ: بِاللَّهِ مَنْ أَنْتَ؟
أَخْبِرْنِي، فَإِنَّنِي كِدْتُ أُفْتَنُ
فَأَوْمَأَ كَالْمَوْجِ الحَزِينِ إِشَارَةً،
وَفِي صَمْتِهِ سِرٌّ عَجِيبٌ مُقَنَّنُ
ثُمَّ انْحَنَى هَمْسًا وَقَالَ: أَنَا الَّذِي
تَخَافُ مِنْهُ النَّاسُ وَتَأْمَنُ
أَنَا العُمْرُ أَسِيرُ بَيْنَ الخَلَائِقِ،
وَأَفْتَحُ بَابَ القَبْرِ حِينَ يُؤْذَنُ
أَزُورُ المَقَابِرَ كُلَّ يَوْمٍ،
وَلَمْ أَزَلْ أُشَيِّعُ قَوْمًا وَأَدْفِنُ
فَقُلْتُ: هَلَّا أَدْخَلْتَنِي لِأَرَاهُمْ؟
فَقَالَ: رُوَيْدًا، فَرَبُّكَ لَمْ يَأْذَنْ
لَكَ مَوْعِدٌ مَحْتُومٌ، فَاعْمَلْ لَهُ،
وَكُنْ فِي العِبَادِ مُحْسِنُ
فَلَا تَرْكَنَنَّ لِلدُّنْيَا وَزَهْوِ نَعِيمِهَا،
فَكَمْ غَرَّ أَقْوَامًا مَا بِهِ تَتَزَيَّنُ
وَصَلِّ لِرَبِّ الكَوْنِ مَا دُمْتَ قَادِرًا،
فَخَيْرُ زَادِ المَرْءِ خُشُوعُ قَلْبٍ وَدُمُوعُ أَعْيُنٍ
فَعُدْتُ وَقَلْبِي بِالمَخَافَةِ خَاشِعٌ،
وَفِي السَّمْعِ ذَاكَ الصَّوْتُ يُدَنْدِنُ
يَا هَذَا، سَتَأْتِي يَوْمًا هُنَا،
حِينَ يُطْوَى كِتَابُ عُمُرِكَ وَتُدْفَنُ