✍️...حين يصبح الغياب نبضًا لا يهدأ.
هناك أرواحٌ لا ترحل حين تغيب، بل تزداد حضوراً في أعماقنا؛ تسكن تفاصيل أيامنا، وترافقنا في صمت اللحظات، وتترك خلفها أثراً لا تمحوه المسافات ولا تطويه السنون. فبعض الأشخاص لا يكونون مجرد محطة عابرة في رحلة العمر، بل يصبحون وطناً خفياً نحمله في القلب، ونعود إليه كلما أتعبتنا طرق الحياة.
حين يطل الفجر بأصابعه الذهبية، وتتنفس الأرض أول همسات الصباح، يولد الحنين من جديد، حاملاً معه وجوهاً أحببناها، وأصواتاً ما زالت تسكن الذاكرة. هناك شوق لا يُقاس بالوقت، ولا تحدّه المسافات، لأنه ليس شعوراً عابراً، بل حكاية روح وجدت في روح أخرى مكانها الآمن.
ليس الحنين ضعفاً، بل هو شهادة وفاء، ودليل على أن القلب ما زال يحتفظ بجمال ما أحب. هو ذلك النور الخفي الذي يضيء عتمة الغياب، ويجعل الذكريات جسوراً ممتدة بين قلبين فرّقتهما الأيام ولم تستطع أن تفصل بينهما الأرواح.
في داخلي جمرة حب لا تنطفئ، ليست ناراً تحرق، بل دفئاً يحميني من برد الانتظار. فهناك أشخاص إذا حضروا أزهرت الحياة، وإذا غابوا أصبح للوقت صمتٌ مختلف، وكأن جزءاً من الفرح اختار أن يسافر معهم.
يا من يسكن القلب رغم البعد، يا من بقي اسمك محفوراً على جدار الروح، إن الأماكن تحفظ خطواتك، واللحظات تخبئ عطر حضورك، والقلب ما زال يفتح نوافذه كل مساء علّ نسمة لقاء تحمل بشارة العودة.
فعد... ليس لأن الغياب أثقل الروح فقط، بل لأن بعض الأرواح خُلقت لتلتقي، وبعض المحبة كُتبت لها الديمومة مهما طال الطريق. عد ليعود للوقت معناه، وللفجر نوره، وللقلب ذلك السلام الذي لا يمنحه إلا القرب ممن نحب.
واعلم أن الحب الصادق لا يسكن الكلمات فقط، بل يسكن المواقف والصبر والوفاء. فالأرواح التي تعانقت بصدق لا تفترق حقاً، لأنها تترك في بعضها أثراً يشبه الخلود.
وإن طال الغياب، سيبقى لك في القلب مقام لا ينافسه أحد، وستبقى ذكراك كنجمة لا تخفت في سماء الروح؛ فبعض الأحبة لا ننتظر عودتهم لأنهم غابوا فقط، بل لأن حضورهم كان يوماً أجمل ما حدث لنا.
ويبقى الحنين رسالة القلب حين يعجز الكلام، ويبقى الوفاء وعداً لا يسقط بالتقادم، ويبقى من أحببناهم نبضاً خالداً فينا... ما دام في الصدر قلب ينبض.
✍️ .. بقلمي،،،
الأديب د. المهندس الاستشاري : نصوح عادل محاميد.