تعلَّمتُ من الحروفِ المتساقطة
بقلم: محمد عربي
تعلَّمتُ من الحروفِ المتساقطةِ
أنَّ السقوطَ ليس نهايةَ الحكاية،
بل بدايةُ معنىً
لا يراهُ إلا الذينَ
أرهقهمُ البحثُ عن الحقيقة.
رأيتُ حرفًا مكسورًا
ينامُ على هامشِ دفترٍ قديم،
فسألتُه:
أما كان لكَ يومًا
مكانٌ في قصيدةٍ عظيمة؟
فابتسمَ وقال:
لقد كنتُ يومًا
قلبَ عاشقٍ،
ثم تركتني يدُ النسيان
على قارعةِ الورق.
ومنذُ ذلكَ اليوم
صرتُ أجمعُ الحروفَ
كما يجمعُ الفلاحُ سنابلَه،
وأُصغي إلى الكلماتِ
كما يُصغي الناسكُ
إلى تراتيلِ الفجر.
تعلَّمتُ أنَّ الحرفَ
ليسَ خطًّا يُرسم،
بل روحٌ تُولد،
وأنَّ الكلمةَ
ليست أصواتًا تتعاقب،
بل حياةٌ كاملةٌ
تختبئُ بينَ شفاهِ القلوب.
كم من كلمةٍ
أنقذتْ إنسانًا من الانكسار،
وكم من كلمةٍ
قتلتْ حلمًا
قبل أن يولد.
لهذا
كنتُ أخافُ الكلمةَ
كما أخافُ السيف،
وأحبُّها
كما يحبُّ العطشانُ المطر.
تعلَّمتُ من الحروفِ المتساقطةِ
أنَّ الأبجديةَ ليستْ ثمانيةً وعشرينَ حرفًا،
بل ثمانيةً وعشرينَ نافذةً
تُطلُّ على الإنسان.
الألفُ...
قامةُ الكبرياءِ
إذا تجردتْ من الغرور.
والباءُ...
بابُ الرحمةِ
إذا دخلتْ منهُ القلوب.
والتاءُ...
توبةُ العائدين
بعدَ طولِ غياب.
والثاءُ...
ثمرُ الصبرِ
إذا نضجَ في مواسمِ الألم.
والجيمُ...
جسرٌ
بينَ قلبينِ
فرَّقتهما الأيام.
والحاءُ...
حكمةُ السنين،
حينَ يُدركُ الإنسانُ
أنَّ العمرَ لا يُقاسُ بالسنوات،
بل بما تركَ من أثر.
والخاءُ...
خيطُ النورِ
في آخرِ النفق.
وهكذا
كلُّ حرفٍ
كان يُحدِّثني
عن سرٍّ لا يعرفهُ إلا العاشقون.
تعلَّمتُ من الكلماتِ
أنَّ الصمتَ
قد يكونُ أبلغَ من الخطب،
وأنَّ الدموعَ
لغةٌ لا تحتاجُ إلى ترجمان.
تعلمتُ
أنَّ بعضَ الناسِ
يُتقنونَ ترتيبَ الحروف،
لكنهم يعجزونَ
عن ترتيبِ قلوبهم.
وأنَّ آخرين
لا يعرفونَ من البلاغةِ شيئًا،
لكنَّ كلمةً واحدةً منهم
تُعيدُ للحياةِ معناها.
يا أيُّها الحرفُ المتعبُ،
كم حملتَ من أوجاعِ البشر!
وكم شهدتَ
على رسائلِ الوداع،
وعهودِ المحبين،
ووصايا الآباء،
وابتهالاتِ الأمهات،
وأحلامِ الأطفال.
أخبرني...
كم قصيدةً ماتتْ
قبل أن تُولد؟
وكم شاعرًا
دفنَ قلبهُ
بينَ دفتي كتاب؟
لقد رأيتُ الكلماتِ
تبكي حينَ تُستعملُ في الظلم،
وتبتسمُ
حينَ تكونُ جسرًا للمحبة.
ورأيتُ الحروفَ
ترتجفُ
كلما كُتبَ بها باطل،
وتزهو
حينَ تُزيَّنُ بذكرِ الله.
تعلمتُ
أنَّ أجملَ الكلماتِ
هي التي لا تبحثُ عن التصفيق،
بل تبحثُ عن قلبٍ
يؤمنُ بها.
وأنَّ أعظمَ القصائدِ
ليستْ تلكَ التي تُصفِّقُ لها المسارح،
بل تلكَ التي تُغيِّرُ إنسانًا واحدًا
إلى الأفضل.
فيا أيها الزمن،
خذْ من عمري ما شئت،
لكنْ لا تأخذْ
إيماني بالكلمة.
فالكلمةُ
حينَ تخرجُ من قلبٍ صادق،
تستطيعُ أن تهزمَ الخوف،
وأن تُعيدَ للغريبِ وطنًا،
ولليائسِ أملاً،
وللمنكسرِ جناحين.
وأنا...
ما زلتُ منذُ طفولتي
أفتشُ بينَ الأوراقِ القديمة
عن حرفٍ ضاع،
وعن كلمةٍ نسيتها جدتي
في دعائها،
وعن قصيدةٍ
لم يكتبها شاعر،
لأنها كانت أكبرَ من اللغة.
وسأظلُّ ما دامَ في صدري نفسٌ
أؤمنُ أنَّ الحضاراتِ
بدأتْ بحرف،
وأنَّ الرسالاتِ
بدأتْ بكلمة،
وأنَّ الإنسانَ
يبقى إنسانًا
ما دام يحترمُ الكلمة.
لهذا،
كلما رأيتُ حرفًا متساقطًا
انحنيتُ لأرفعه،
فربما كانَ حرفًا
من اسمِ وطن،
أو دعاءِ أم،
أو آيةٍ كريمة،
أو رسالةِ عاشقٍ
لم تصل.
تعلَّمتُ من الحروفِ المتساقطةِ
أنَّ الكتابةَ ليستْ مهنة،
ولا زينةً لغوية،
بل عهدٌ بينَ الكاتبِ وضميره،
ورسالةٌ بينَ الإنسانِ والإنسان.
وسيأتي يومٌ
تذبلُ فيه الأجساد،
وتغيبُ الأصوات،
وتسكتُ الخطوات،
لكنَّ الحروفَ الصادقةَ
ستبقى تمشي بينَ الناس،
تُضيءُ العقول،
وتُرمِّمُ القلوب،
وتهمسُ لكلِّ من ضاقتْ به الحياة:
لا تخف...
فالكلمةُ الطيبةُ
لا تسقطُ أبدًا،
حتى وإنْ سقطتْ حروفُها على الورق.