الاثنين، 3 أغسطس 2026

Hiamemaloha

كم مرة مر عليك الصبح للمهندس حسني الحايك

 كم مرة مر عليك الصبح...

كانت المسافة أطول من أن تُقاس خارج الجدار العازل، وأقصر من أن تهزمها رسالة... وبضع رصاصات.

فرغ الليل من ضجيجه، ولم يبق منه سوى عينين يفيض منهما دفء الغياب، ونافذة نصف مفتوحة على دار هجرها الأحباب، وقمر يراقب بصمت حائر، وورقة بيضاء تؤجل اعترافها الأخير.

جلست أكتب... لكل ما ظل عالقًا بين نبضي وضفتين؛ إلى بيت لم يغلق بابه، وطريق لم يكف عن انتظار العابرين، وشجرة تحفظ أسماء الذين رحلوا، وما زالت تمد أغصانها كل مساء، كأنها تفتش في الريح عن خطاهم... وما تبقى من أنفاسهم.

لم أكتب عن الأيام. كانت الأيام تكذب كلما تحدثت عن نفسها. ولم أسأل كيف تمضي الحياة خلف الأسلاك الشائكة، فالحياة هناك لا تُروى بالكلمات، بل بعدد النوافذ التي أُغلقت، وعدد المقاعد التي بقيت شاغرة حول الموائد، وبرائحة الخبز التي ما زالت تبحث عن أصحابها كل فجر.

تركت الرسالة تمضي وحدها، كما تمضي الطيور في مواسم الهجرة، تحمل بين جناحيها ما تعجز الحروف عن حمله، وتعرف، بغريزتها الأولى، أن السماء، مهما اتسعت، لا تنسى طريق العودة، وأن الأشجار التي سكنتها الأرواح لا تخطئها أبدًا.

وحين عادت... إلى تلك الشجرة، لم أقرأ حروفا، ولم أفتح ظرفا، بل سمعت خطوات تمشي فوق تراب حيفا، ورأيتها تجمع ما تبقى من الضوء في طرف وشاحها، ثم تهمس، كأنها تخشى أن توقظ الحنين النائم بين الصدى والجدران.

قالت: "كم مر علينا الصبح بلا وجوه أحببناها... وانتظرناها، وكم مرت مواسم كانت تبدأ بأصوات ألفتها أرواحنا، فإذا بها تعبر صامتة دون وداع"...

صرنا نحمل المنفى في صدورنا بين قاعات الترانزيت، ونسافر بحقائب من ذكريات. نفتحها خلسة كي لا يرانا الوجع، فنجد أبوابا ما زالت مواربة، ونوافذ تنتظر ظلالًا غابت، وطريقا كان يحفظ وقع خطواتنا، ثم طال انتظاره حتى صار يسأل عنا.

هل ما زال في القلب نبض، وفي الروح دعاء؟

هل سيكون الغياب فصلًا عابرًا في مشوار المنفى الطويل؟

لا بد أن يأتي يوم نسترد فيه ما تركناه هناك... أو ما تركه هناك فينا."

طويت الرسالة، لكنني لم أطوِ المسافة.

وتركت النافذة مفتوحة... علّها تعود مرة أخرى، أو لعل الضوء يسبقها هذه المرة. فبعض الرسائل لا تنتهي عند آخر كلمة، بل تبدأ منها... وبعض البيوت لا تعود إلينا، لأنها لم تغادرنا يوما..

مهندس حسني الحايك


Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :