حبٌّ في وقتِ بدلِ الضائع
بقلم محمد عربي
جئتِ إليَّ
في وقتِ بدلِ الضائع،
حينَ ظننتُ أن القلبَ
قد أعلنَ اعتزالهُ للحب،
وأن آخرَ وردةٍ
في حدائقِ الروح
قد ذبلتْ،
وأنني لن أفتحَ
نافذةً أخرى
لأحد.
جئتِ متأخرةً...
لكنَّ قلبي
لم يسألْكِ عن الوقت،
فالقلبُ لا يعرفُ الساعات،
ولا يؤمنُ بالتقويم،
ولا يحسبُ الحبَّ
بعددِ السنوات.
حينَ رأيتُكِ
شعرتُ أن العمرَ
لم يكنْ يسرقني،
بل كانَ يقودني
نحوكِ ببطء.
كلُّ الذينَ مروا قبلكِ
كانوا محطات،
أما أنتِ
فكنتِ الطريق.
كلُّ الذينَ أحببتُهم
تركوا شيئاً من الحزن،
أما أنتِ
فتركتِ في قلبي
سؤالاً جميلاً:
كيف يمكنُ للحبِّ
أن يأتي متأخراً
ويبدو كأنهُ
كانَ ينتظرنا منذ البداية؟
جئتِ
حينَ أصبحتُ أكثرَ هدوءاً،
وأقلَّ اندفاعاً،
وأكثرَ معرفةً
بأن الحبَّ ليسَ كلاماً كثيراً،
ولا رسائلَ طويلة،
ولا وعوداً تُقالُ في الليل
ثم تُنسى عند الصباح.
الحبُّ...
أن تجدَ شخصاً
حينَ تضيقُ بكَ الحياة،
لا يسألكَ لماذا أنتَ حزين،
بل يجلسُ إلى جوارك
ويقول:
أنا هنا.
جئتِ في وقتِ بدلِ الضائع،
لكنني لم أشعرْ
أنكِ تأخرتِ.
شعرتُ أن كلَّ ما سبقكِ
كانَ مجردَ تدريبٍ
على معرفةِ قلبكِ.
كنتُ أظنُّ
أن أجملَ الأشياء
تأتي في بدايةِ العمر،
حتى اكتشفتُ
أن بعضَ الأشياءِ الجميلة
تأتي حينَ نكونُ
قد تعبنا من الانتظار.
تأتي
حينَ نتوقفُ عن البحث.
تأتي
حينَ نقول:
لن أحبَّ بعد الآن.
ثم يظهرُ شخصٌ واحد
فيهدمُ كلَّ قوانينِنا.
يا امرأةً
جاءت في الوقتِ المستحيل...
ماذا فعلتِ بقلبي؟
لقد كانَ قلبي
مدينةً مغلقة،
فدخلتِها
دونَ أن تطرقي أبوابها.
كانَ فيه ألفُ جرح،
فلم تسألي
من أين جاءت،
بل وضعتِ يدكِ عليها
برفق.
كانَ يخافُ من الحب،
فأعطيتهِ أنتِ
سبباً ليطمئن.
جئتِ متأخرةً...
لكنَّ حضوركِ
جعلني أشعرُ
أنني وُلدتُ للحبِّ من جديد.
كأن العمرَ
كانَ يمحو كلَّ الطرق
ليُبقي طريقاً واحداً
يؤدي إليكِ.
وفي وقتِ بدلِ الضائع
أدركتُ شيئاً:
ليس المهمَّ
متى يأتي الحب،
المهمُّ
أن يأتي صادقاً.
ليس المهمَّ
كم عشنا قبل أن نلتقي،
المهمُّ
كم حياةً جميلة
يمكن أن نصنعها
بعد اللقاء.
فأنا لا أريدُ منكِ
أن تعيدي لي شبابي،
ولا أن تمحي سنواتي،
ولا أن تغيري الماضي.
أريدُ فقط...
أن تكوني
في ما تبقى من عمري.
أن تكوني
الرسالةَ التي لا أخشى نهايتها.
والضحكةَ التي لا أملُّ منها.
واليدَ التي أجدها
حينَ يتعبُ الطريق.
والصوتَ الذي يقولُ لي:
لا تخف...
أنا معك.
يا حبيبتي...
ربما جئتِ في وقتِ بدلِ الضائع،
لكنَّكِ جئتِ
قبلَ أن تطلقَ الحياةُ صفارتها الأخيرة.
ولهذا
لن أسألكِ كم بقي لنا.
لن أعدَّ الأيام.
لن أخافَ من الغد.
سأحبكِ
كما لو أن العمرَ
بدأ الآن.
سأحبكِ
دونَ أن أطلبَ من الزمن
أن يتوقف.
فالحبُّ الحقيقي
لا يحتاجُ إلى سنواتٍ طويلة
كي يثبتَ نفسه.
أحياناً...
تكفي نظرةٌ واحدة
لتقول للقلب:
هذا هو الشخصُ
الذي كنتَ تنتظره.
وتكفي كلمةٌ واحدة
لتعيدَ إلى الروح
كلَّ ما فقدته.
وتكفي لحظةٌ واحدة
لنجعلَ كلَّ الماضي
مجردَ طريقٍ
أوصلنا إلى بعضنا.
فإن كانَ هذا حباً متأخراً،
فليتأخرْ.
وإن كانَ حباً
في وقتِ بدلِ الضائع،
فليكن.
فأنا لا أريدُ
حباً سريعاً
ينتهي سريعاً.
أريدُ حباً
جاء متأخراً
لكنهُ جاء ليبقى.
أريدُ أن نعيشَ
ما تبقى لنا
دونَ خوف.
أن نضحكَ كثيراً.
أن نتحدثَ عن أشياءَ صغيرة
كأنها أهمُّ أشياءِ العالم.
أن نختلفَ أحياناً
ثم نتصالح.
أن نغضبَ
ثم نعود.
أن نمشي معاً
في الطرقاتِ الطويلة.
أن نجلسَ تحتَ السماءِ
ونتحدثَ عن أحلامنا
كأن العمرَ
لا يزالُ في بدايته.
أريدُ أن أقولَ لكِ
كلَّ صباح:
صباحُ الحب.
وكلَّ مساء:
لا تذهبي بعيداً.
وفي كلِّ مرةٍ
تسألينني فيها:
هل تحبني؟
سأقول:
أحبكِ
بقدرِ ما تبقى في القلبِ
من نبض.
أحبكِ
بقدرِ ما في العمرِ
من أيام.
أحبكِ
لا لأنكِ جئتِ في الوقتِ المناسب،
بل لأنكِ جعلتِ
الوقتَ نفسه
مناسباً.
فيا حباً جاء متأخراً...
لا تعتذر.
لا تقلْ:
آسف لأنني تأخرت.
فأنا انتظرتكِ
دونَ أن أعرفَ
أنني أنتظركِ.
ولعلَّ أجملَ ما في قصتنا
أننا التقينا
حينَ كنا نظنُّ
أن اللقاءَ أصبحَ مستحيلاً.
جئتِ في وقتِ بدلِ الضائع...
فصارَ الوقتُ
وقتَ الحب.
وصارَ الانتظارُ
ذكرى.
وصارَ القلبُ
بعدَ كلِّ ما مرَّ به
يقولُ للمرةِ الأولى
دونَ خوف:
أحبكِ...
وكأنني لم أحبَّ
من قبل.
فإن انتهى الشوطُ يوماً،
وانطفأتْ الأضواء،
وغادرَ الجميعُ الملعب...
سأبقى واقفاً
أبحثُ عنكِ
في آخرِ المدرجات.
فربما...
كانت أجملُ أهدافِ العمر
هي تلكَ التي جاءت
في اللحظةِ الأخيرة.
حبٌّ في وقتِ بدلِ الضائع...
لكنَّهُ جاء في الوقتِ
الذي احتاجَ فيه قلبي
إلى الحب.