"أثرٌ لا يُرى"
بعض الأمنيات لا تولد لتُقال، بل تنضج في الإنسان بصمت، كلما اتّسعت رؤيته للحياة وخفّت حاجته إلى أن يثبت شيئًا لنفسه.
أن يمرّ في حياة الآخرين دون أن يترك فيها ما يؤلمهم؛ أن يكون حضوره من ذلك النوع الذي لا يطلب لنفسه موضعًا في الذاكرة، لكنه يستقرّ فيها دون استئذان: كلمة جاءت في لحظتها، ورفقٌ لم يُنتظر منه مقابل، ووجهٌ لم يجعل أحدًا يشعر أن عليه أن يخفي تعبه كي يكون جديرًا بالمحبة.
أن يخرج الناس من حضوره وهم أخفّ قليلًا مما كانوا عليه حين جاؤوا.
ولعلّ أصدق صور المحبة لا تظهر في المواقف التي تُروى، بل في تلك التفاصيل التي تحدث ثم تمضي كأنها لم تكن شيئًا: أن تجلس إلى جوار إنسانٍ مثقل دون أن تستجوبه عن سبب تغيّره، أن تسمعه حتى النهاية دون أن تبحث عن عبارةٍ جاهزة تصلح جوابًا، أن تترك في آخر اللقاء من السكينة ما يكفي ليمرّ يومه دون أن يثقل عليه. أن تتذكر الموعد الذي يخشاه، أو ذلك الصمت الطويل الذي يقول أكثر مما تحتمل الكلمات.
أشياء صغيرة لا يلتفت إليها أحد، لكنها قد تعيد إلى يومٍ مختلّ بعض اتزانه، وقد تجعل إنسانًا، في أكثر لحظاته انطفاءً، يشعر أن الرحمة لم تغادر العالم كله.
ثم تمضي السنوات، ويبدأ المرء في اكتشاف أن ما يظنه بقاءً ليس بالضرورة ما يبقى.
الأشياء التي جمعها لنفسه تتوقف عند حدوده، والصور تفقد شيئًا من ألوانها، والتفاصيل التي ملأت عمره تصبح قابلة لأن تُنسى.
أما ما تركه في الآخرين دون أن يقصد، فقد يجد لنفسه حياةً أخرى لا يملكها؛ قد يمضي زمن طويل، ثم يقع أحدهم في موقفٍ يشبه موقفًا قديمًا، فيتذكر أنك لم تحكم عليه حين كان ضعيفًا، أو أنك حفظت له سرًّا كان يستطيع أن يؤذيه، أو أنك قلت له في ساعةٍ لم يكن يرى فيها نفسه جديرًا بشيء: "أنا أراك كما أنت، ولا تحتاج أن تتظاهر بالقوة أمامي". وربما لا يعرف أبدًا أن تلك اللحظة بقيت فيه أكثر مما بقيت أنت في المكان.
ولهذا، حين أفكر في النهاية، لا أخاف كثيرًا من أن يُنسى اسمي؛ فالنسيان ليس ظلمًا، بل إحدى طرق الحياة في ترتيب ما مضى.
ما أخشاه أن أصل إليها فأكتشف أنني كنت أستطيع أن أكون أرحم، وأن كلمةً كان يمكن أن تُقال تركتها للصمت، وأن يدًا كان يمكن أن تمتدّ تأخرت حتى فقدت امتدادها معناه.
أريد، ما استطعت، أن أترك شيئًا لا يحتاج إلى اسمي كي يعيش: يومًا صار ألين لأنني مررت به، وإنسانًا وجد في حضوري متّسعًا ليستعيد نفسه، وذكرى لا تؤلم حين تُستعاد.
وحين يأتي الوقت الذي لا أستطيع فيه أن أطرق بابًا، أو أمدّ يدًا، أو أقول كلمة، يكفيني أن يكون في مكانٍ ما إنسانٌ يبتسم دون أن يعرف تمامًا لماذا؛ ثم تمضي ابتسامته في طريقها، كأن شيئًا مني ظلّ هناك، يواصل الحياة بدلًا عني.
✍🏻د.راوية عبدالله🇾🇪
#راوية #رورو #حديث_الروح #صوت_داخلي #لغة_القلب #بوح_أنثى #أفكار_عميقة #نبض_الكلمات #خربشات_وجدانية #تأملات #عبّر_بصدق