معلقة ؛ بين الريش والبصيرة
رحلة الطاووس إلى مرٱة الحقيقة
بقلمي الشاعر محمد علي باني
مقدمة وجدانية
في مسيرة الإنسان صور تخدع العين، وأصوات تأسر السمع، لكن الحقيقة لا تقاس بما يظهر على السطح ، بل بما يتركه الإنسان من أثر بعد الرحيل،
هذه المعلقة رحلة بين طريقين ؛ الريش والزهو ، وطريق البصيرة والعلم . جعلت الطاووس رمزا للمظهر حين ينفصل عن الجوهر، والنسر رمزا للرؤية حين تسمو فوق الوهم، والمرٱة رمزا للحقيفة، والسنبلة رمزا للعلم المتواضع.
فمهما طال بقاء الزيف ، يأتي يوم تكشف فيه الأيام ما خفي ويبقى الصدق والعمل الصاح شاهدين على صاحبهما.
نص المعلقة؛
قفا نبك من زيف الليالي فإنما
تبدي خفايا النفس بعد ستور
وكم لابس ثوب الوقار وإنه
يخفي وراء الثوب زيف شعور
وما رفعة الإنسان طول حديثه
ولكن بأفعال تخلد ذكره
رأيت طواويس المظاهر أقبلت
تفاخر بالريش البهي وتزهو
تظن جمال المرء في حسن ثوبه
وتنسى جمال الروح بالخلق يذكر
تحدث عن علم وليس لها به
دليل سوى قول يزول وينكر
فقلت؛ أيا طاووس إن رياشنا
تزول ويبقى المجد ما كان يثمر
ورايت نسر المجد فوق سحابة
يحلق في الٱفاق وهو بصير
يرى ما وراء الأفق عين حكيمة
وليس له من زينة الريش غرور
وقال؛ علو المرء ليس بثوبه
ولا بكثرة الأقوال حين تثور
ولكن بعلم صادق و فضائل
وبفعل خير في الحياة ينير
وأقبلت المرٱة تحمل صدقها
فبان خفي النفس بعد ستور
فلا الريش يخفي ما تسر ضمائر
ولا زخرف الأقوال يمحو حضوره
فكم مدع لبس ثوب فضيلة
فلما أتى البرهام زال غرور
بنى قصور من وهم نفس غرورة
فجاء نسيم الحق والقصر يندثر
رأيت سنابل حقلنا حين أثمرت
تطأطئ رأسا وهي تحمل نورا
فقلت؛ هكذا أهل المعارف إنهم
يزدادون خلق كلما زاد شعور
فليس كثير العلم من دون حكمة
سوى حمل أثقال يضاعف غرور
وكم عارف أخفى جواهر علمه
فصار ضياء في القلوب وحضورا
وسألت دهرا عن وجوه تزينت
فقال أنا الكشاف بعد عبور
أمهل أهل الزيف وقتا لحكمة
ولكن نور الحق ليس يغور
وكم طاووس زهو علا في ريشه
فلما اتاه الحق هان وغاب نوره
وكم صاحب علم توارى تواضعا
فخلده بين الأنام عبير
فيا طاووس دنياك إن الريش زائل
ويبقى جميل الفعل عبر الدهور
ويا نسر مجد قد علوت ببصرة
فأنت ميثال الحق بين الصدور
ويا سنبلة الحق الذي علم الورى
بأن إمتلاء الخير سر العبور
تعلمت أن العلم يرفع أهله
إذا زانه خلق كريم الشعور
فما المجد في قول يطير بزينة
ولكن بأثر صادق و حضور
فحبل الكذوب وإن تطاول برهة
قصير ، ونور الصدق باق بنور
التوقيع؛
أنا إبن حرف إذا ما لامس الألم
نبض الحنين به، وارتد ملتهما
محمد علي باني/ تونس