الاثنين، 24 أغسطس 2026

Hiamemaloha

معلقة من ظلام الجاهلية إلى نور الرسالة للكاتب والشاعر محمد علي باني

 معلّقة من ظلام الجاهلية إلى نور الرسالة

الفصل الأول: ليل الجاهلية


مقدمة وجدانية


يا ليلَ صحراءَ العرب، كم خبأتَ تحت نجومك من حكايات!


كان اللسان عربيًّا فصيحًا، والشاعر سيدَ المجلس، والكلمة سيفًا يهزّ القبائل.


كانت القصيدة تُرفع صاحبها، وتهوي بخصمه، وتُحفظ في الصدور كما تُحفظ الأنساب.


لكن خلف تلك الفصاحة كان عالمٌ آخر...


عالمٌ اختلطت فيه المروءة بالعصبية، والشجاعة بالبطش، والكرم بالخمر، والثأر بالعدل، حتى صار القوي يأكل حق الضعيف.


وفي بعض البيوت كان الخوف من العار يبلغ حدًّا مظلمًا، فتُدفن طفلةٌ بريئة قبل أن تعرف معنى الحياة.


وكانت القبيلة وطنًا، وسيفها قانونًا، وثأرها ذاكرةً لا تنام.


ومع ذلك، لم تكن الجاهلية ظلامًا محضًا؛ فقد كان فيها الكرم، والوفاء، وحماية الجار، ونصرة المظلوم، والشجاعة، وصون العهد.


لكنها كانت تفتقد الميزان الذي يضع لكل فضيلةٍ حدَّها، ولكل قوةٍ مسؤوليتها.


وكانت الأرض تنتظر كلمةً تغيّر معنى الإنسان.


أبيات الفصل


أَلَا يَا لَيْلُ قَدْ أَسْدَلْتَ سِتْرَكَ فَوْقَنَا

وَفِي البَيْدِ أَصْوَاتُ القَبَائِلِ تَصْطَخِبْ


هُنَا الشِّعْرُ تَاجُ القَوْمِ، وَالفَصْلُ بَيْنَهُمْ

وَبَيْتُ القَصِيدِ لِلْفَتَى فِيهِ مَا يَطْلُبْ


يَقُولُ الشَّاعِرُ المَدْحَ فَيَرْفَعُ قَوْمَهُ

وَيَهْجُو فَيَجْرَحُ مَجْدَ قَوْمٍ وَيَسْلُبْ


وَفِي سُوقِ عُكَّاظٍ تَدَاوَلَتِ القُرَى

لِسَانًا فَصِيحًا بِالمَفَاخِرِ يَخْطُبْ


وَكَانَتْ لَهُمْ أَخْلَاقُ عَرْبٍ كَرِيمَةٌ

كإِكْرَامِ ضَيْفٍ، وَالوَفَاءِ إِذَا وَجَبْ


وَلَكِنْ تَوَارَى العَدْلُ خَلْفَ عَصَبِيَّةٍ

فَصَارَ قَوِيُّ القَوْمِ لِلضُّعَفَاءِ يَغْلِبْ


وَسَيْفُ القَبِيلَةِ كَانَ فَوْقَ شَرِيعَةٍ

وَثَأْرٌ يُوَرَّثُهُ الأَبُ لِلَّذِي يَخْلُفْ


فَإِنْ قُتِلَ ابْنٌ قَالَ قَوْمٌ: ثَأْرُنَا

وَيَبْدَأُ لَيْلُ الحَرْبِ، وَالمَوْتُ يَزْحَفْ


وَفِي الخَيْمَةِ السَّمْرَاءَ يَسْهَرُ شَارِبٌ

وَيَسْكَرُ، وَالمَحْدِثُ بِاللهْوِ يَعْزِفْ


وَفِي القِدْحِ أَيَّامٌ تُضَاعُ لِغَافِلٍ

وَيَحْسَبُ أَنَّ الرِّبْحَ فِي اللهْوِ يُكْسَبْ


وَفِي بَعْضِ أَرْجَاءِ العَرَبِ كَانَ مَصِيرُهَا

صَغِيرَةَ حَيٍّ، وَهْيَ لِلْحَيَاةِ أَحَبُّ


تُوَارَى وَهِيَ لَمْ تَذْنِبْ، وَلَمْ تَقْتَرِفْ يَدًا

وَيُدْفَنُ حُلْمٌ لَمْ يَشُبْهُ لَهُ ذَنْبُ


فَيَا لَيْلَ جَاهِلِيَّةٍ كَمْ مِنْ جَرِيرَةٍ

تَوَارَتْ وَكَمْ فِي ظُلْمِهَا حُرِمَتْ قُلُوبْ


وَمَعْ ذَاكَ فِي أَعْمَاقِهَا كَانَ مَجْدُهَا

وَفِي القَوْمِ مَنْ يَحْمِي الجَوَارَ وَمَنْ يَتُوبْ


وَمَنْ يَحْمِلُ الضَّيْفَ العَزِيزَ بِرَحْلِهِ

وَيَرْفَعُ عَنْ مَظْلُومِ قَوْمٍ لَهُ كَرْبْ


فَكَانَتْ حَيَاةُ القَوْمِ خَلْطًا مِنَ النَّقِيضِ

فَفِيهَا مِنَ الأَخْلَاقِ نُورٌ، وَفِيهَا لَهَبْ


إِلَى أَنْ أَتَى وَقْتٌ تَغَيَّرَ فِيهِ مَا

عَلَى الأَرْضِ مِنْ مِيزَانِ حَقٍّ وَمَا نُصِبْ


وَكَانَتْ صَحَارِي العَرَبِ تَحْفَظُ سِرَّهَا

وَفَوْقَ الرِّمَالِ تَرْتَجِي فَجْرَ مَنْ يَجِيءُ


فَمِنْ بَيْنِ رَمْلٍ وَالسَّرَابِ سَنَنْتَقِلْ

إِلَى خَيْمَةٍ فِيهَا حِكَايَاتُنَا تُرْوَى


خاتمة الفصل


وهكذا نترك ليل الجاهلية خلفنا، لا لنمحو تاريخ العرب، بل لنفهمه.


سنحمل معنا فصاحتهم، وشعرهم، وكرمهم، وشجاعتهم، ونرى في الوقت نفسه ما كان يحتاج إلى نورٍ يهديه.


والآن نقترب من عالم الصحراء أكثر:


من الخيام التي تقاوم الريح،

ومن الإبل التي تحمل الإنسان فوق الرمال،

ومن الرحيل وراء الماء والكلأ،

ومن الشاعر الذي جعل من الصحراء ديوانًا مفتوحًا.


وفي الفصل القادم: الخيام والإبل والصحراء.


التوقيع الشعري


أنا ابنُ حرفٍ إذا ما لامسَ الألمَ

نبضُ الحنينِ بهِ، وارتدَّ ملتهبَا


الكاتب والشاعر محمد علي باني / تونس


Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :