انهم يجهلون ابجدية الصوان...
دخلت المدينة من بوابات عكا القديمة..
كانت الحجارة تعرفني... وكل زقاق يناديني باسماء كنت اعرفها، كأن المنفى لم ينجح يوما في محوها. مضيت ببطء، لا لان الطريق مجهول، بل لان الذاكرة كانت تسبق خطاي الى عتبات الدار، وتدلني على الاماكن كما تدل الام طفلها على بيته الاول...
كانت الازقة اضيق مما تروي الخرائط، لكنها اوسع من كل الحكايات التي كتبها المحتل. وكلما عبرت قنطرة من قناة الباشا، شعرت ان الزمن ينحني قليلا، ليفسح المجال لذاكرة لم تغادر المزرعة يوما.
توقفت امام حجر صغير، لا يلتفت اليه احد. لم يكن يحمل نقشا، ولا اسما، ولا تاريخا، ومع ذلك بدا كانه يعرف اكثر مما تقوله الحكايات.
همست لها: "ما الذي يجعل هذا الحجر مختلفا؟"
ابتسمت...
ثم مَررت كفها فوقه برفق، كأنها تصافح صديقا قديما، وقالت: "لانه لم يتعلم الكذب ولا النفاق."
سكت... واحسست ان المدينة كلها كانت تصغي الى ابجدية الصوان...
تابعنا السير. مررنا بلافتات جديدة، واسماء غريبة، وحروف جاءت من وراء البحر مغتصبة، تحاول ان تقنع الجدران بانها من سلالة الصوان.
كانت الجدران تكتفي بالصمت... ففي المدن العتيقة، يكون الصمت اصدق من الاساطير والسرديات.
قالت وهي تنظر الى اخر الزقاق: "اتدري ما اكثر ما يخشاه الذين يحتلون المدينة؟"
قلت: "ان يعرف الناس الحقيقة؟"
هزت راسها، وقالت:
"بل ان تتعرف اليهم حجارة الصوان."
ثم مضت...
وتركتني احدق في الصوان... سلاح الفلسطيني الاول.
هناك ادركت ان اخطر ما يمكن ان يسرق من وطن ليس بيته، ولا شجره، ولا حتى اسمه...
بل معناه... فحين يسرق معنى الوطن، تسرق حضارته، ويزور تاريخه، ويصبح الجلاد ضحية، ويغدو اللص صاحب الدار، ويطالب صاحب الدار، في كل مرة، ان يثبت انه لم يولد غريبا في ارضه، وان الصوان لم يشحذ يوما...
لكن المدينة كانت تمشي مطمئنة.
لانها كانت تدرك غضبة الصوان...
وكانت تعرف ان الازقة لا تغير ذاكرتها اذا تبدلت اللافتات، وان الحجر لا ينكر اليد التي شحذته يوما، وجعلت منه اول سلاح في وجه الغزاة، وان الحقيقة، مهما تاخر صباحها، تعرف الطريق الى النور.
وحين خرجت، كان النهار قد بدأ، وحجر الصوان ما يزال يشحذ ذاكرة المكان على مسن الزمن.
التفت خلفي...
فخيل الي ان المدينة لم تكن تودعني.
كانت فقط... تذكرني الا اصدق رواية من يغتصب التاريخ.
وانتظر... القادم.
ثم سمعت صوتها، يخرج من باطن الصخور:
"لا تخش عليهم... انهم يحفظون اسماء أسفارهم، لكنهم يجهلون ابجدية الصوان. فالصوان لا يعترف الا بمن كتب اسمه على الارض دما، لا في السرديات حبرا."
ابتسمت...
ومضيت...
مهندس حسني الحايك