معلّقة من ظلام الجاهلية إلى نور الرسالة
الفصل الثاني: الخيام والإبل والصحراء
مقدمة وجدانية
إذا أردنا أن نفهم الإنسان الجاهلي، فعلينا أن نمشي معه فوق الرمل، وأن ندخل خيمته، ونصغي إلى صمت الصحراء حين يهبط الليل.
هناك، حيث لا جدران تحجب السماء، كانت النجوم كتاباً مفتوحاً للمسافر، وكانت الريح تحمل أخبار الرحيل، وكانت الإبل رفيقة الطريق، تحمل الزاد والمتاع، وتقطع المسافات الطويلة بصبرٍ يشبه صبر أصحابها.
كانت الخيمة بيتاً، ولكنها لم تكن بيتاً ثابتاً؛ كانت وطناً يسافر مع أهله، تنصبها الأيدي حين يجد القوم ماءً وكلأ، ثم تطويها حين تجف الآبار وييبس المرعى.
وفي ذلك الفضاء القاسي، تعلم العربي الصبر، وحفظ الطريق، وراقب النجوم، وعرف قيمة الماء، وأدرك أن البقاء في الصحراء يحتاج إلى قوةٍ في الجسد، وصلابةٍ في الإرادة، وتعاونٍ بين أبناء القبيلة.
ومن رحم تلك الحياة ولد الشعر.
كان الشاعر لسان قومه وذاكرتهم؛ يحفظ أيامهم، ويمدح كريمهم، ويهجو خصمهم، ويبكي أطلالهم، ويصف رحلاتهم، ويجعل من الليل والصحراء والناقة والرحيل صوراً خالدة في ديوان العرب.
لكن الصحراء لم تكن كلها صفاءً.
فكما علّمتهم الصبر والكرم، صنعت في بعض النفوس قسوةً وعصبية، وجعلت القبيلة ملاذاً للقوي، وربما سيفاً على الضعيف.
ومن هنا تبدأ رحلتنا في قراءة ذلك العالم؛ لا لنحكم عليه بعين الحاضر وحدها، ولا لنجمّل قسوته، وإنما لنفهم كيف عاش الإنسان، وكيف تشكلت أخلاقه، وكيف كان ينتظر ــ من حيث لا يدري ــ نوراً سيعيد ترتيب الإنسان والقبيلة والمجتمع.
فلنمضِ إلى الصحراء...
حيث الخيمة أول وطن، والإبل رفيقة الطريق، والشعر ذاكرة العرب.
---
أبيات الفصل
تَرَكْنَا لَيَالِيَ القَوْمِ تَحْتَ سَمَائِهَا
وَسِرْنَا مَعَ الإِبْلِ الكِرَامِ عَلَى الرَّمَلِ
خِيَامٌ كَأَنَّ الرِّيحَ تَعْرِفُ أَهْلَهَا
فَتَدْخُلُهَا لَيْلًا بِرِفْقٍ وَلَا تَمَلِّ
وَفِي كُلِّ خَيْمَةِ قِصَّةٌ مِنْ حَيَاتِنَا
وَفِي كُلِّ وَتْدٍ ذِكْرَيَاتٌ لِمَنْ رَحَلِ
وَنَجْمُ السَّمَاءِ لِلْمُسَافِرِ بُوصَلَةٌ
إِذَا أَظْلَمَتْ أَرْضُ الفَلَاةِ وَلَمْ يَزَلْ
وَإِبِلُنَا تَمْضِي كَأَنَّ صُدُورَهَا
سُفُنٌ عَلَى بَحْرِ الرِّمَالِ بِلَا مَلَلْ
تَحَمَّلُ أَثْقَالَ الرِّحَالِ وَأَهْلَهَا
وَتَصْبِرُ حَيْثُ القَلْبُ يَخْشَى وَيَكِلْ
وَإِنْ نَضَبَتْ عَيْنُ المِيَاهِ تَرَحَّلُوا
وَإِنْ أَخْضَرَتْ أَرْضٌ أَقَامُوا عَلَى أَمَلْ
فَكَانَتْ حَيَاتُهُمُ رِحَالًا وَمَوْطِنًا
وَمَا بَيْنَ رَمْلِ البَيْدِ وَالمَاءِ مِنْزِلْ
وَكَانَ الشَّاعِرُ المِرْآةَ فِي قَوْمِهِ
يُسَجِّلُ أَيَّامًا وَيَرْفَعُ مَنْزِلْ
يَمْدَحُ كَرِيمَ القَوْمِ حِينَ يَجُودُهُمْ
وَيَهْجُو لَئِيمًا حِينَ يَضْنَى وَيَبْخَلْ
وَيَبْكِي دِيَارًا قَدْ تَقَادَمَ عَهْدُهَا
فَيَسْأَلُ رَسْمَ الدَّارِ: أَيْنَ لَنَا الأَهْلْ؟
وَيَرْكَبُ فِي شِعْرِهِ البَيْدَاءَ مُنْطَلِقًا
وَيَجْعَلُ مِنْ لَيْلِ الصَّحَارِي لَهُ مَنْهَلْ
وَمَا كَانَ شِعْرُ القَوْمِ لَهْوًا عَابِرًا
فَقَدْ كَانَ دِيوَانَ العَرَبِ فِيهِمْ يَصِلْ
بِهِ حُفِظَتْ أَخْبَارُ قَوْمٍ وَمَجْدُهُمْ
وَبِهِ بَقِيَتْ أَسْمَاءُ مَنْ قَدْ تَرَحَّلْ
وَلَكِنْ وَرَاءَ الخَيْمَةِ السَّاكِنَةِ الَّتِي
تُضِيءُ لَهَا فِي اللَّيْلِ نَارٌ مِنَ الأَمَلْ
فَإِنْ هَبَّتِ الأَرْيَاحُ فِي الحَيِّ نَازَعُوا
وَإِنْ مَسَّ حَيًّا ضُعْفُ حَيٍّ لَهُ صَلْ
فَكَانَتْ قَبَائِلُهُمْ تُقِيمُ حُدُودَهَا
بِسَيْفٍ، وَتَرْفَعُ فِي المَفَاخِرِ مَنْزِلْ
وَمِنْ هَذِهِ البَيْدَاءِ نَمْضِي لِمَشْهَدٍ
سَيَكْشِفُ كَيْفَ السَّيْفُ فِي القَوْمِ يَفْصِلْ
---
خاتمة الفصل
تركنا الخيام، ولكننا لم نترك الصحراء.
حملنا معنا رائحة الرمل، ووقع أقدام الإبل، وصوت الشاعر وهو يوقظ الليل بقصيدة، وناراً صغيرة كانت تجمع أهل الخيمة حولها حين يشتد البرد ويطول السمر.
رأينا في ذلك العالم وجهاً جميلاً من الصبر والكرم والشجاعة والفصاحة، ورأينا في الوقت نفسه وجهاً آخر أثقلته العصبية، وجعل القوة فيه ميزاناً، والقبيلة حصناً، والسيف حكماً حين يغيب العدل.
وهنا يقف الإنسان الجاهلي على مفترق الطريق:
بين مكارم حفظتها الفطرة، ومظالم صنعها الجهل.
وبين الخيمة التي تجمع، والقبيلة التي قد تفرّق، والسيف الذي يحمي حيناً ويظلم حيناً آخر، كانت الصحراء تخبئ سؤالاً كبيراً:
هل يستطيع الإنسان أن ينتقل من حكم القوة إلى حكم الحق؟
هل يمكن أن تصبح القبيلة أخوّةً تتجاوز الدم والنسب؟
وهل يمكن للسيف أن يسقط من يد الإنسان، لتحل مكانه كلمة العدل والرحمة؟
أسئلةٌ ستقودنا إلى المشهد القادم...
فحين اشتد الظلام، لم يكن الفجر بعيداً.
ومن بين رمال الجزيرة، كان موعدٌ عظيم يقترب؛ موعدُ الرسالة التي ستعيد للإنسان ميزانَه، وللأخلاق مكانتَها، وللرحمة صوتَها.
ومن هنا نمضي إلى الفصل القادم:
سيف القبيلة... والثأر والغزو والاعتداء على الضعفاء.
التوقيع الشعري
أَنَا ابْنُ حَرْفٍ إِذَا مَا لَامَسَ الأَلَمَ
نَبْضُ الحَنِينِ بِهِ، وَارْتَدَّ مُلْتَهِبَا
الكاتب والشاعر محمد علي باني / تونس