
معلقة من ظلام الجاهلية إلى نور الرسالة الفصل التاسع للكاتب والشاعر محمد علي باني
معلّقة من ظلام الجاهلية إلى نور الرسالة
الفصل التاسع: بدر... حين انتصر اليقين على الخوف
مقدمة وجدانية
بعد أن تأسس المجتمع الجديد في المدينة، لم تعد الرسالة مجرد دعوةٍ تُقال في الخفاء، بل أصبحت واقعاً له أرضٌ وأناسٌ ومسؤولية.
وكانت مكة لا تزال تحمل في صدرها غضباً على الذين خرجوا منها، وعلى الرسالة التي هزّت أركان النظام القديم.
ثم جاءت بدر.
ولم تكن بدر في جوهرها حكاية عددٍ وعدد، ولا قصة قوةٍ ماديةٍ انتصرت على قوةٍ مادية، بل كانت امتحاناً عميقاً لمعنى الثبات حين يجد الإنسان نفسه أمام خطرٍ أكبر من قدرته.
كان المسلمون قلةً، وكان خصمهم أكثر عدداً وعدةً.
لكن المعيار الذي تعلموه لم يكن: كم نملك؟
بل: ما الذي نحمله في قلوبنا؟
خرجوا وهم يعلمون أن الإنسان قد يملك السلاح ولا يملك الحق، وقد يملك المال ولا يملك الشجاعة، وقد يملك كثرة العدد ولا يملك قوة اليقين.
وهنا ظهر معنى آخر من معاني الرسالة:
أن القوة ليست بطشاً، وأن النصر ليس إذناً بالظلم، وأن الإنسان حين ينتصر لا ينبغي أن يفقد إنسانيته.
ففي بدر لم يكن الامتحان للمؤمنين في مواجهة الخوف وحده، بل في كيفية التعامل مع النصر أيضاً.
أبيات الفصل
أَتَتْ بَدْرُ وَالأَيَّامُ تَحْمِلُ خَوْفَهَا
وَقَلْبُ القَلِيلِ عَلَى اليَقِينِ يُرَتَّبُ
وَقَدْ جَاءَ قَوْمٌ بِالعَدِيدِ وَعُدَّةٍ
وَجَاءَ أُولُو الإِيمَانِ وَالقَلْبُ يَثْبُتُ
فَمَا كَانَ مِيزَانُ الرِّجَالِ بِكَثْرَةٍ
وَلَكِنْ بِمَا فِي الصَّدْرِ حِينَ يُجَرَّبُ
وَقَامَ النَّبِيُّ المُصْطَفَى رَبَّهُ ضَارِعًا
وَفِي كَفِّهِ دَعْوَى الضَّعِيفِ تُرَتَّبُ
يُنَاجِي إِلَهَ العَرْشِ وَالقَلْبُ خَاشِعٌ
وَيَرْجُو مِنَ الرَّحْمَنِ نَصْرًا وَيَرْغَبُ
وَأَصْحَابُهُ حَوْلَ الرَّسُولِ كَأَنَّهُمْ
نُجُومٌ عَلَى لَيْلِ المَخَاوِفِ تُنْصِبُ
فَلَمَّا تَقَابَلَ صَفُّ قَوْمٍ بِصَفِّهِمْ
تَبَدَّلَ فِي أَعْمَاقِهِمْ مَا يُرَهِّبُ
وَمَضَى أُولُو الإِيمَانِ لَا طَيْشَ فِي خُطًى
وَلَا حُبَّ بَطْشٍ فِي القُلُوبِ يُرَغِّبُ
وَكَانَتْ بَدْرٌ لِلضَّمِيرِ تَجْرِبَةً
تُرِي النَّاسَ أَنَّ الحَقَّ لَا يَتَهَرَّبُ
فَلَمَّا أَتَى النَّصْرُ العَظِيمُ لِأَهْلِهِ
لَمْ يَسْكَرِ الإِيمَانُ فِيهِمْ وَيَغْضَبُ
وَلَمْ يَجْعَلُوا النَّصْرَ سُلَّمًا لِبَطْشِهِمْ
وَلَمْ يَجْعَلُوا قُدْرَاتِهِمْ مَنْهَجَ الغَضَبِ
فَكَانَتْ بَدْرٌ فِي مَسِيرَةِ أُمَّةٍ
دُرُوسًا لِمَنْ فِي الحَقِّ يَسْعَى وَيَطْلُبُ
تُعَلِّمُ أَنَّ العَزْمَ أَقْوَى مِنَ القُوَى
إِذَا صَحَّ فِي قَلْبِ المُؤَمِّنِ مَطْلَبُ
وَأَنَّ التَّوَكُّلَ لَيْسَ تَرْكَ وَسَائِلٍ
وَلَكِنْ بِذَلِّ الجُهْدِ لِلَّهِ نَحْسِبُ
وَأَنَّ الشَّجَاعَةَ لَيْسَتِ البَطْشَ وَحْدَهُ
فَكَمْ مِنْ شُجَاعٍ فِي الضَّمِيرِ يُعَذَّبُ
وَأَنَّ القَوِيَّ الحَقَّ مَنْ مَلَكَ الهَوَى
إِذَا مَلَكَتْهُ القُدْرَةُ وَهْوَ يُجَرَّبُ
وَأَنَّ انْتِصَارَ المَرْءِ إِنْ لَمْ يُزَكِّهِ
سَيَرْجِعُ فِي نَفْسِ الفَتَى وَهْوَ يُخْرِبُ
فَبَدْرٌ لَمْ تَكُنْ يَوْمًا حَدِيدًا وَرُمْحًا
وَلَا كَانَ مَجْدُ النَّاسِ فِيهَا يُحْسَبُ
وَلَكِنَّهَا كَانَتْ مِحَكًّا لِأُمَّةٍ
تَرَى فِي سَبِيلِ الحَقِّ مَا يَتَطَلَّبُ
فَمِنْهَا تَعَلَّمْنَا ثَبَاتَ عَقِيدَةٍ
وَأَنَّ الطَّرِيقَ الصَّعْبَ بِالصَّبْرِ يُكْتَبُ
وَمِنْهَا تَعَلَّمْنَا إِذَا جَاءَ نَصْرُنَا
أَلَّا نُضِيعَ العَدْلَ وَهْوَ يُطَلَّبُ
فَمَا قِيمَةُ النَّصْرِ الَّذِي يُورِثُ العُلا
إِذَا كَانَ بَعْدَ النَّصْرِ ظُلْمٌ يُرَتَّبُ؟
وَمَا قِيمَةُ السَّيْفِ الَّذِي فِي يَدِ الفَتَى
إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي قَلْبِهِ الحَقُّ يَصْحَبُ؟
خاتمة الفصل
كانت بدر فاصلاً في تاريخ الدعوة؛ فقد أثبت المجتمع الناشئ أنه قادر على الصمود أمام الخطر، لكنها في الوقت نفسه
كشفت عن حقيقة أعمق:
أن الرسالة لا تقاس بقوة السلاح، وإنما بقوة القيم التي يحملها الإنسان.
فالنصر الحقيقي ليس أن تهزم خصمك فحسب، وإنما أن تنتصر على خوفك، وعلى غرورك، وعلى شهوة الانتقام في داخلك.
ومن هنا كان بناء الإنسان مستمراً.
فالإسلام الذي حارب الوثنية لم يكن يريد أن يستبدل صنماً بصنم، ولا أن يستبدل عصبيةً بعصبية؛ بل جاء ليحرر القلب من عبودية كل ما سوى الله.
وبعد بدر ستأتي أحداثٌ أخرى، وستتغير موازين كثيرة، وسيعرف المسلمون أن طريق الرسالة ليس طريق انتصارات متتابعة بلا ألم، وإنما طريق ابتلاءٍ وصبرٍ ومراجعةٍ وتربية.
وسيأتي امتحانٌ آخر في أُحد، حيث سيتعلم المسلمون أن مخالفة أمرٍ واحد قد تغيّر نتيجة معركة، وأن النصر يحتاج إلى طاعةٍ وانضباطٍ وصبر.
ومن هنا نفتح باب الفصل القادم:
الفصل العاشر: أُحد... حين يكشف الألم ما في القلوب
هناك سنرى وجهاً آخر من وجوه الرسالة؛ درساً في الطاعة، والصبر، وعدم الاغترار بالنصر، وكيف تتحول الهزيمة الظاهرة إلى مدرسةٍ عميقةٍ في تربية الإنسان.
التوقيع الشعري
أَنَا ابْنُ حَرْفٍ إِذَا مَا لَامَسَ الأَلَمَ
نَبْضُ الحَنِينِ بِهِ، وَارْتَدَّ مُلْتَهِبَا
الكاتب والشاعر محمد علي باني / تونس