الأربعاء، 14 أكتوبر 2026

Hiamemaloha

شمس الأصيل للشاعرة سامية محمد غانم

 شمس الأصيل

غندما تشرق شمس يوم جديد

تدب الحياة على الأرض كلها

بما تحملها من أحداث جليلة

فكل منا له أحداث في يومه

ربما شبيهة لأحداث الآخرين

وربما لا ولكن من المؤكد توجد 

أحداث أثناء السير في الطرقات

وفي العمل  .  شمس تملؤها حياة 

جديدة كل يوم وسرعان ماتغرب 

بنا للسكن والراحة وتغرب ومعها 

ظلمة عمت المكان وهنا نقف 

قليلا مع كلمة ظلمة ونسأل

أنفسنا هل هي ظلمة بمعنى 

ظلام دامس أم ظلمة الفكر

والعقل والقلب  ؟ 

هل هي ظلمة الحواس والبصر

والبصيرة  ؟  ونغمض أعيننا

عن كلمة حق 

أم هي ظلمة الأذن حتى 

لاتسمع للكلمة  .  وظلمة 

الأعين التي لاترى الحقيقة

وتحيد عنها بإرادتها 

وظلمة القلب الذي لايحمل

حبا ويجهل كل شئ عنه

ظلمة الجحود التي تعم البشر

فما بين الشروق والغروب تكون

هناك أحداث أثناء مزاولة الحياة

ليحل الظلام بالسكوت المميت

وكل منا له ظلمته تماما مثل

الشهيق والزفير مابين أنفاس

البشر منها أنفاس داخلة وأخرى

خارجة وربما لم تدخل الجسد

مرة أخرى وتكون النهاية 

بقلمي /

سامية محمد غانم


اقرء المزيد
Hiamemaloha

لاتبك رحيلي للشاعر د. توفيق عبدالله حسانين

 لا تبكِ رحيلي

لا تبكِ بعدَ رحيلي، إنّني انطفأتْ

                في مقلتيَّ شموسٌ كنتِ تُحييها

لا تبكِ، قد كنتُ بينَ الكفَّينِ أغنيةً

                  وأنتِ أوّلُ مَنْ بالصَّدِّ تُبكيها

أعطيتُ قلبَكِ من روحي حدائقَها

                   فكنتِ أوّلَ مَنْ بالنارِ يُفنيها

زيَّنتِ بالوهمِ دربَ الحبِّ مبتسماً

             وكانَ خلفَ ابتسامِ الوهمِ أفاعيها

قد كنتِ تسقينني الأشواقَ كاذبةً

        حتى غدا الشوكُ في صدري يُداريها

ثم استحالَ حنانُ الأمسِ عاصفةً

            وأشعلَ اليأسُ في أضلاعيَ التيهَا


واليومَ تبكينَ؟! ما للدمعِ مِنْ سببٍ

              بعدَ الذي أفرغَ الأحزانَ ساقيها

أينَ الوعودُ التي كانت مُعطَّرةً

        حتى غدتْ خنجراً في الصدرِ يُدميها؟

كم ليلةٍ بتُّ فيها والظلامُ فمي

           يشكو، ودمعي على الخدَّينِ يخفيها

حتى تمنّيتُ لو أنّ الحياةَ مضتْ

                 قبلَ اللقاءِ، ولم أُولدْ لأقضيها

ما عادَ يُغري فؤادي دفءُ أغنيةٍ

                 ولا يُعيدُ ربيعَ العمرِ راعيها

سأمضي، وإنْ ظلَّ في أعماقِ ذاكرتي

                   جرحٌ تُجدِّدُه الأيامُ وتُحييها

لا تحسبي الصمتَ ضعفاً في عزيمتِهِ

           فالصمتُ قبرٌ، وفي أحشائِهِ باكيها

سأدفنُ الحبَّ لا كرهاً ولا جزعاً

               لكنْ لأنَّ يدَ الغدرِ اعتدتْ فيها

لا تبكِ رحيلي، فقد أبكيتِني زمناً

           حتى غدا القلبُ لا يرجو مُواسيها

د. توفيق عبدالله حسانين


اقرء المزيد
Hiamemaloha

سجل أنا عربي للشاعرة مريم الزهراء

 سجل انا عربي

لحمي قاس

يكسر انياب الضبع 

والاسد

انا من اعماق التاريخ

مولدي

من فوهة البراكين

غضبي

فهل احصيت 

كم حمما تساقطت

في جغرافية الكتب

هي انا ولدت هنا

وليس لي غير هذه الارض

تحملني 

سجل ايها النكرة

الاتي من زنا المحارم

من اقذر رحم

سجل ايها السافل

الساقط جرما على

 ارض ابي

انا هنا وسابقى حتى 

اخر نفس في الزيتونة

والغار والليمون والغاب

والحطب

وفي تربة بلدي

الحبلى بالرجال المجد


(المجد)بضم الميم وشد الجيم المفتوحة وكسر الدال

مريم الزهراء الجزائر


اقرء المزيد
Hiamemaloha

أين بحرك ؟ للشاعر سليمان كامل

 أين بحركِ؟

بقلم // سليمان كاااامل

*********************

هبيني بحر شعر

كي أنادي

ضل السير حرفي 

وعز طريقه نحو السفين


ولجت إليك ِ 

بحراً بعد بحر

فما نفعت مجاديفي

وقلبي توقف نبضه داخل وتيني


وماء البحار مالحه عنيد

ويحملني ولكني هشيش

وحرفي في

مهب الريح يُذريني


غرامكِ ياحبيبة 

غَذَّى جُرأتي

ويحملني على ضعفي الشديد

ومن بعد انكسار يحتويني


لا تبخلي وكوني بالمد خليلتي 

فأسفار الهوى صعب هِجاها

وتعصي في الحروف

على التكوين


إذا ما رأمت العينان عيني 

أشق البحر يمتزج المذاق

فملح البحر 

في عينيك يُغريني


فأكتب قصتي عذب جِناها

لكن البحور تصد حرفي

وهذا النظم

يقتلني ويُفنيني


فأي مرافئ الشعر ارتضيتِ

وأي جداول للحب شئتِ

ألا ألقي المجداف لي هلمي

أنا المشتاق قومي بادريني


فإن الغرق في عينيكِ حتمٌ

وهذا البوح يشغلني

ويذكي بأعماقي 

اللهيب مع الحنين


عانيت المرارة في إيابي

ولا البحر العنيد أطاع سبحي

ولا كلت

لدى الشكوى يميني

**********************

 سليمـــــــان كاااامل...الأحد

2026/10/11


اقرء المزيد
Hiamemaloha

جذزة لاتنطفئ للاديبة سعدية عادل

 ((جذوة لا تنطفئ.))

حين تعانق الغيوم الأحلام

وتضم أسرار الشوق إلى السماء،

تنهض في القلب أمنية

تشق درب الصمت نحو الضياء.

تمضي الخطى نحو الأفق

تلوح ببشائر الرجاء

حتى إذا باغتت القلوب خيانة

توارى الأمان وخيّم العناء

وجه لبس قناع الوفاء

وأخفى خلف الابتسامة جفاء

أهديت له المشاعر صادقة

فأحال الدفء شتاء

وترك الندوب على دروبالصفاء

فقدان الثقة لا يأتي من فراغ

بل من وعود أرهقها الانطفاء

حين يصير الصدق موضع ريبة

ويغدو حسن الظن بابا للشقاء

لا تحزني يا روح إن طال المدى

فالفجر يولد من رحم الظلماء

ما كل من خان الود سينتصر

ولا كل جرح يطفئ النور

ستظل في الأعماق جذوة إباء

والأرواح تأبى السقوط

وتستعيد العلاء.

يا غيمة مرت 

رفقا بقلب أنهكه الإعياء

ما زال في الأرواح حلم جميل

وفي الأفق متسع للضياء

سعدية.عادل 

14/10/2026


اقرء المزيد
Hiamemaloha

رواية مهر الفصل الرابع للكاتب طارق الحلواني

 رواية مُهر

الفصل الرابع

رحلة دخول القفص

▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎

لم تكن مُهر رواية مُهر

الفصل الرابع

رحلة دخول القفص

▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎

لم تكن مُهر تعرف متى بدأ الأمر بالضبط.

هل حين صار اسمها يتردد أكثر مما ينبغي؟

أم حين صارت أمها تُصلح حجابها قبل أن تخرج؟

أم حين بدأ بعض رجال الشارع ينظرون إليها كأنهم يكتشفونها للمرة الأولى؟

الحارة لم تتغير.

البيوت هي البيوت، والغبار نفسه فوق الأبواب، والبائع نفسه ينادي في آخر الزقاق.

لكن شيئا في نظرات الناس تغير.

أو هكذا شعرت.

كانت في الثامنة عشرة.

العمر الذي لا يُعامل فيه الإنسان كطفل، ولا يُترك له أن يقرر كالكبار.

في تلك الأيام، صار اسم عريس جديد يتردد في البيت كل أسبوع تقريبا.

مرة جار بعيد.

ومرة ابن صديقة قديمة.

ومرة "رجل كويس ومرتاح".

لم تكن أمها هدى تحتاج إلى أن تقول الكثير.

كانت تذكر الاسم، ثم تنظر إلى مُهر.

وكانت مُهر تفهم.

أما أبوها سعيد، فكان يصمت. يجلس في مكانه المعتاد، يسبّح أحيانا أو يشرب الشاي، وكأنه يؤجل شيئا يعرف أنه سيأتي.

وفي وسط ذلك كله، جاءت الرحلة.

رحلة تنظمها جهة عمله، هيئة الأوقاف المصرية، من كفر الشيخ إلى القاهرة.

يوم واحد.

فسحة للأولاد.

كان سعيد فرحا بها أكثر منهم.

منذ الصباح وهو يتحرك بين الغرف:

ـ مين لسه ملبسش؟

ردت شادية من الداخل:

ـ أنا!

فصاحت هدى:

ـ إنتى لسه يا مقصوفة الرقبة؟!

ضحك سعيد.

ـ سيبي شوشو تفرح .

ثم التفت إلى محمد:

ـ وإنت خليك عينك على إخواتك.

رفع محمد حاجبه.

ـ حاضر يا بابا، متقلقش.

ـ إنت الكبير.

قالها سعيد وهو يناوله شنطة الطعام.

سوسن كانت أمام المرآة تصلح حجابها، ثم نظرت إلى مُهر. ظلت لحظة صامتة.

ـ حلو الفستان ده.

قالتها كأنها مجاملة، ثم أضافت:

ـ بس كان ممكن تختاري لون أغمق.

سمعتها هدى وقالت:

ـ أنا اللي اخترته.

لم تجب سوسن.

كانت مُهر قد فهمت أن الفستان لم يعد اختيارها وحدها.

وقبل أن يخرجوا، أمسكت هدى يدها وأصلحت طرف حجابها.

ـ خلي بالك من نفسك.

ثم سكتت لحظة.

ـ متكلميش حد.

وسكتت ثانية.

ـ ولو حد بص لك.. بصي في الأرض.

هزت مُهر رأسها.

كان سعيد قد وصل إلى الباب.

ـ يا جماعة هنلحق الأتوبيس ولا هنروح القاهرة مشي؟

ضحكت شادية، وأمسكت يد مُهر.

ـ أنا هقعد جنب مُهر.

قال محمد فورا:

ـ لا، إنتى تقعدي جنب ماما.

ـ ليه؟

ـ عشان أنا قلت.

تدخل سعيد:

ـ يا محمد، سيب أختك تنبسط.

فأجاب محمد بضيق:

ـ ماشي يا بابا.

خرجوا.

كان الأتوبيس قديما، وطلاؤه باهتا، وصوته أعلى من سرعته.

صعد الأولاد وهم في حالة من الفوضى الجميلة التي لا تعرفها البيوت.

شادية تريد الشباك.

محمد يريد أن يختار مكانه أولا.

سوسن تحمل كيسا صغيرا فيه لب وسوداني.

وهدى تعدهم واحدا واحدا كأنهم مرحلين  لمنطقة التجنيد .

ـ مُهر؟

ـ أيوه.

ـ شادية؟

ـ أنا هنا !

ـ محمد؟

 - تمام يا فندم .

ضحك سعيد.

ـ خلاص يا هدى، دول مش هيتوهوا.

نظرت إليه.

ـ إنت اللي هتتوه مننا أول واحد.

ضحك.

وانطلق الأتوبيس.

جلست مُهر قرب الشباك.

كانت تحب الشباك.

تحب أن ترى العالم من بعيد، دون أن تضطر إلى مواجهته.

كلما ابتعدوا عن كفر الشيخ، اتسعت الأرض.

البيوت قلت، والحقول امتدت، والطريق صار مفتوحا أمامها.

أسندت رأسها إلى الزجاج.

شعرت بشيء غريب.

كأن العالم أكبر من الحارة التي عاشت فيها، وأوسع من النوافذ المغلقة.

كانت شادية بجوارها، تحاول أن ترى الطريق من نفس الفتحة.

ـ وسعي يا مُهر.

ـ إنتى شايفة؟

ـ أيوه.. بس من ناحيتك أحلى.

ابتسمت مُهر وأفسحت لها.

من المقعد الآخر، قالت سوسن:

ـ خلي بالك يا شادية، متطلعيش دماغك.

فردت شادية:

ـ أنا مش عبيطة.

محمد تدخل:

ـ اسمعي كلام سوسن.

نظرت مُهر إليهم وضحكت.

حتى سعيد ضحك.

كان يريد لأولاده يوما لا ينسونه.

لكنه، كلما ضحكوا، عاد يتمم عليهم بعينيه.

ثم ينظر إلى مُهر أكثر من الجميع.

حين وصلوا إلى القاهرة، بدا كل شيء أكبر.

السيارات.

الأصوات.

الناس.

حتى الباعة كانوا ينادون بصوت مختلف.

نزلوا في منطقة الحسين.

تعلقت شادية بيد مُهر.

ـ متسيبنيش.

ـ مش هسيبك.

قال سعيد:

ـ خليكم قريبين.

ودخلوا.

كان المكان مزدحما.

روائح البخور تختلط برائحة الطعام، وصوت القرآن يأتي من مكان، وصوت الباعة من مكان آخر. خطوات الناس تتقاطع، وأيدى كثيرة ترتفع بالدعاء.

دخل سعيد إلى مقام سيدنا الحسين.

هدأ صوته، وهدأت معه هدى.

حتى محمد، الذي كان طوال الطريق يتحدث بصوت عالى، صار أكثر سكونا.

جلست مُهر قليلا.

لم تعرف لماذا شعرت بالراحة.

لا أحد هنا يعرفها.

لا أحد يعرف اسم أبيها.

لا أحد يعرف أنها البنت التي بدأت أمها تخاف عليها من الطريق.

وسط هذا العدد كله، كانت مجرد فتاة تجلس في هدوء.

أغمضت عينيها.

ولأول مرة منذ وقت طويل، لم تفكر في نظرات أحد.

كانت تسمع همسات الدعاء من حولها.

فقالت في سرها:

ـ يا رب.. ريح قلبي.

فتحت عينيها.

وجدت شادية تنظر إليها.

ـ بتدعي بإيه؟

ابتسمت مُهر.

ـ ولا حاجة.

قالت شادية:

ـ أنا دعيت لك.

ـ دعيتلي بإيه؟

ـ إنك تفضلي حلوة كده، وأبقى أحلى منك.

ضحكت مُهر، وضربتها بخفة على كتفها.

من بعيد، كانت سوسن تراقبهما.

لم تبتسم.

خرجوا إلى خان الخليلي.

هنا عادت الفوضى.

ـ يا باشا.. اتفضل شوف.

ـ يا ست الكل، عندنا حاجات حلوة.

ـ تعالى يا حبيبي، نشوف الخان اللى  بنسمع عنه فى الحكايات.

ضحكت شادية من كثرة النداءات.

ـ هو كلهم بينادوا علينا؟

قال محمد:

ـ عشان يبيعوا لنا.

ـ طب ما نشتري.

ـ وإحنا معانا فلوس قد إيه؟

تدخل سعيد:

ـ هنشوف.

وأخرج من جيبه بعض النقود ووزعها عليهم.

ـ كل واحد يختار حاجة بسيطة.

قفزت شادية:

ـ أنا الأول!

ـ بالراحة.

سوسن كانت تنظر إلى الأشياء دون أن تلمسها.

أما مُهر، فكانت تتوقف عند كل شيء.

مصابيح صغيرة.

أساور.

خرز.

مرايا.

تماثيل صغيرة.

أشياء لا تعرف أسماءها، لكنها تحب النظر إليها.

حتى وصلت إلى بائع تذكارات صغير.

على طاولته عشرات الأشياء.

مدت يدها نحو مركب خشبي صغير.

رفعته.

كان بسيطا، مطليا بألوان زيتية باهتة.

قال البائع:

ـ حلو؟

أومأت.

ـ آه.

قالت شادية:

ـ اختاري حاجة تانية.

ضحكت مُهر.

ـ ليه؟

ـ عشان ده هاخده منك.

تدخل محمد:

ـ هو عاجباها .

نظر إلى أخته، ثم إلى المركب.

ـ خديه.

قالتها سوسن فجأة:

ـ هي بتحب الحاجات البسيطة.

نظرت مُهر إليها.

لم تعرف هل كانت الجملة إعجابا أم شيئا آخر.

دفعت مُهر ثمن المركب، وأمسكته طوال الطريق.

كانوا يسيرون بين الأزقة حين نادى سعيد:

ـ مُهر!

التفتت.

كان رجل يقف بجوار محل، وقد سمع اسمها.

نظر إليها لحظة وقال مبتسما:

ـ مُهر؟ ياسلام ..اسم على مسمى... مهرة بجد.

توقفت مُهر.

لم تعرف ماذا تقول.

احمر وجهها.

وقبل أن يتحرك سعيد، كان محمد قد تقدم خطوة، ثم خطوة أخرى.

لكن رجلا آخر سبقه.

كان السيد، زميل سعيد في الرحلة والعمل.

وقف بين الرجل ومُهر، وقال بهدوء:

ـ لو سمحت.

الاحترام حلو.

اعتذر الرجل بكلمة واحدة، ثم تحرك.

قال سعيد بسرعة:

ـ معلش يا جماعة.

ثم أمسك يد مُهر.

ـ يلا.

مشت معه.

لكنها لم تنظر إلى الطريق.

كانت تفكر في شيء واحد:

لماذا بدا اسمها مختلفا حين خرج من فم رجل غريب؟

ولماذا شعرت، فجأة، أن الجميع ينظر إليها؟

لم تعرف.

خرج الأتوبيس من القاهرة في طريق العودة، وقد هدأ الجميع بعد يوم طويل.

شادية نامت ورأسها على كتف مُهر، ومحمد ظل يراجع عدد أفراد الأسرة كل فترة، كأنه يخشى أن يترك أحدا في الطريق.

أما سعيد، فكان أخيرا مستمتعا بالهدوء.

قال لزوجته:

ـ الحمد لله.. يوم جميل عدى على خير.

ابتسمت هدى.

ـ استنى بس لما نوصل بالسلامة.

ضحك.

وبعد قليل، بدأ صوت الأتوبيس يتغير.

مرة.. ثم مرة أخرى.. وبدأ يتأرجح  كأنه جمل 

حتى انطفأ المحرك تماما.

ساد الصمت لحظة.

ثم بدأ الكلام:

ـ في إيه؟

ـ الأتوبيس  عطل؟

ـ هنستنى قد إيه؟

نزل السائق، وفتح غطاء المحرك.

نزل سعيد خلفه.

وبدأ الرجال يتجمعون حول الأتوبيس، بينما بقيت النساء في الداخل.

شادية ألصقت وجهها بالزجاج.

ـ هنبات هنا؟

ضحك سعيد من خارج النافذة:

ـ لا يا حبيبتي، هنرجع يا قمر على البيت.

لكن ابتسامته لم تخفى قلقه.

كانت الساعة تتأخر، والبرد بدأ يتسلل من الأبواب.

فتحت هدى حقيبتها، وأخرجت شالا ووضعته على كتفي مُهر.

ـ غطي نفسك.

قالت مُهر:

ـ أنا كويسة يا ماما.

ـ غطي نفسك بس.

ظلوا ينتظرون.

ثم ظهر في آخر الطريق ضوء سيارة يقترب.

توقفت إلى جوار الأتوبيس سيارة سوداء كبيرة، لامعة، تختلف تماما عن كل ما حولها.

نزل منها شاب، واتجه إلى الرجال.

وأومأ برأسه إلى  السيد.

اقترب السيد من سعيد وقال:

ـ اتفضل يا أستاذ سعيد. عربية ابن عمي وصلت. لو تحب اوصلك والأسرة الأتوبيس عطلان مش هيتصلح.

نظر سعيد إلى السيارة، ثم إلى زوجته وأولاده.

لم يكن يريد أن يحمل أحدا فضلا عليه، لكنه لم يكن يريد أن ينتظر بهم في الطريق أكثر من ذلك.

ـ ربنا يكرمك يا سيد.

وفي دقائق، بدأوا يتحركون.

صعد محمد أولا، ثم ساعد شادية.

جلست هدى إلى جوارها.

أما مُهر، فوقفت لحظة عند باب السيارة.

نظرت إلى الداخل.

مقاعد واسعة، رائحة جلد، زجاج مغلق، وهدوء لا يشبه ضوضاء الأتوبيس.

ثم صعدت.

جلست بجوار النافذة.

تحركت السيارة.

وبقي الأتوبيس خلفهم، واقفا على جانب الطريق، كأنه شيء من عالم آخر.

نظرت مُهر إليه من الزجاج الخلفي.

ولم تعرف لماذا شعرت، للحظة، أنها تترك وراءها شيئا أكثر من مجرد أتوبيس معطل.

لم تمضى أيام كثيرة على الرحلة حتى جاء السيد.

لم يأتى هذه المرة زميلا في رحلة، ولا رجلا وقف بالصدفة في خان الخليلي.

جاء إلى البيت.

جلست مُهر خلف الباب نصف المفتوح، تسمع صوت أبيها سعيد وهو يرحب به، وصوت هدى وهي تضع أكواب الشاي على الصينية.

كان محمد في الصالة، صامتًا، يراقب الرجل من فوق إلى تحت.

أما سوسن، فكانت في المطبخ، تسمع كل شيء.

وشادية جلست إلى جوار مُهر وهمست:

ـ هو ده الراجل بتاع العربية؟

ابتسمت مُهر.

ـ اسكتي.

ـ هو غني؟

ـ معرفش.

ـ العربية كانت حلوة.

ضحكت مُهر رغم خوفها.

من الصالة جاء صوت السيد:

ـ أنا عارف إن الموضوع ممكن يكون مفاجئ، لكن أنا دخلت البيت من بابه.

سكت قليلا، ثم قال:

ـ وأنا مش طالب غير رضاكم.

نظرت هدى إلى مُهر.

لم تقل شيئا.

لكن نظرتها كانت كافية.

شعرت مُهر أن شيئا ما يتحرك نحوها، وهي لا تعرف كيف توقفه.

خرج سعيد من الغرفة، وجلس أمام الرجل.

ـ بص يا سيد.. مُهر لسه صغيرة.

قالها بهدوء، كأنه يحاول شراء بعض الوقت.

رد السيد:

ـ وأنا مقدر ده يا أستاذ سعيد. وعشان كده أنا مش مستعجل.

تدخلت هدى:

ـ بس البنت مش هتفضل صغيرة طول عمرها.

نظر إليها سعيد.

لم يعجبه الكلام، لكنه لم يرد.

كان يعرف أن زوجته لم تقل شيئا جديدا.

منذ أسابيع والعرسان يأتون في الكلام قبل أن يأتوا إلى البيت.

واحد عنده شقة.

واحد شغله كويس.

واحد أهله ناس محترمة.

والآن السيد.

رجل أكبر منها بسنوات طويلة ، لكنه مستقر، وله بيت وأرض وعمل، ولا يريد من الأسرة شيئا.

نظر محمد إلى السيد.

ـ وإنت هتخليها تكمل تعليمها؟

التفت إليه السيد.

ـ طبعا.

ـ وتخرج؟

ـ لو تحب.

ـ والشغل؟

ابتسم السيد.

ـ لما نتجوز نبقى نتكلم في كل حاجة.

لم تعجب محمد الإجابة.

لكنه سكت.

في المطبخ كانت سوسن تمسح يديها في طرف جلبابها.

قالت هدى بصوت منخفض:

ـ شايفة؟

ـ شايفة إيه؟

ـ الراجل مناسب.

لم تجب سوسن.

كانت تعرف أن كلمة "مناسب" لا تعني الشيء نفسه للجميع.

بالنسبة لأمها، كان يعني بيتا آمنا.

وبالنسبة لأبيها، رجلا يستطيع أن يتحمل المسؤولية.

وبالنسبة لمحمد، ألا يمد أحد يده على أخته.

أما مُهر..

فلم تكن تعرف ماذا يعني الزواج أصلا.

في تلك الليلة، جلست هدى إلى جوارها على السرير.

ـ إنتى خايفة؟

هزت مُهر رأسها.

ـ شوية.

ـ كل البنات بتخاف.

سكتت مُهر.

ثم قالت:

ـ أنا مش عايزة أسيبكم.

ابتسمت هدى، ومسحت على شعرها.

ـ هتسيبينا عشان تروحي بيت جوزك.

كانت الجملة بسيطة.

لكنها وقعت في قلب مُهر كأنها شيء ثقيل.

ـ وليه لازم أروح؟

نظرت إليها أمها طويلا.

ـ عشان دي الحياة.

ثم أضافت:

ـ وبعدين إنتى فاكرة إنك هتفضلي هنا لحد إمتى؟

لم تجب.

في اليوم التالي، أخرج سعيد ورقة وقلما.

كتب بعض الأرقام، وسأل عن الأرض، وعن البيت، وعن عمل أسرة السيد .

كان أبا يحاول أن يحول خوفه إلى حسابات.

أما مُهر، فكانت تحاول أن تحول خوفها إلى موافقة.

قالت في النهاية:

ـ موافقة.

لم يفرح أحد كما توقعت.

هدى تنفست براحة.

سعيد ظل صامتا.

محمد خرج من الغرفة.

سوسن لم تنظر إليها.

أما شادية، فدخلت عليها وهي تبتسم:

ـ بجد هتبقي عروسة؟

ضحكت مُهر.

ولأول مرة منذ أيام، شعرت أنها ما زالت هي.

جلست شادية إلى جوارها، وأمسكت يدها.

ـ هتجيبيلي حاجة حلوة لما تتجوزي؟

قالت مُهر:

ـ هجيبلك.

ـ زي إيه؟

فكرت قليلا.

ثم تذكرت القارب الخشبي الصغير الذي اشترته من خان الخليلي.

أخرجته من درجها.

كانت قد وضعته هناك منذ عودتها.

ناولته لشادية.

ـ خديه.

اتسعت عينا شادية.

ـ بجد؟

ـ آه.

أخذت شادية القارب وخرجت سعيدة.

بقيت مُهر وحدها.

نظرت إلى الدرج الفارغ.

ثم إلى المرآة.

كانت الفتاة نفسها التي وقفت أمامها منذ أيام في خان الخليلي، تضحك مع إخوتها، وتختار شيئا صغيرا لأنها أحبته.

لكن شيئا ما كان قد تغير.

ليس في وجهها.

ولا في ثوبها.

في الطريق الذي ينتظرها.

جلست على حافة السرير.

ومن الخارج وصلها صوت أمها وهي تتحدث عن الفستان، وصوت شادية وهي تسأل عن الحلوى، وصوت محمد يطلب من أبيه أن يتأنى.

ثم سمعت صوت سعيد:

ـ خلاص يا هدى.. اللي فيه الخير ربنا يقدمه.

وضعت مُهر يدها على صدرها.

لم تكن تعرف لماذا شعرت أنها ذاهبة إلى مكان لم تره من قبل.

وفي درج شادية الصغير، كان القارب الخشبي مستلقيا إلى جوار ألعابها.

قارب صغير...

بلا بحر.


طارق الحلوانى متى بدأ الأمر بالضبط.

هل حين صار اسمها يتردد أكثر مما ينبغي؟

أم حين صارت أمها تُصلح حجابها قبل أن تخرج؟

أم حين بدأ بعض رجال الشارع ينظرون إليها كأنهم يكتشفونها للمرة الأولى؟

الحارة لم تتغير.

البيوت هي البيوت، والغبار نفسه فوق الأبواب، والبائع نفسه ينادي في آخر الزقاق.

لكن شيئا في نظرات الناس تغير.

أو هكذا شعرت.

كانت في الثامنة عشرة.

العمر الذي لا يُعامل فيه الإنسان كطفل، ولا يُترك له أن يقرر كالكبار.

في تلك الأيام، صار اسم عريس جديد يتردد في البيت كل أسبوع تقريبا.

مرة جار بعيد.

ومرة ابن صديقة قديمة.

ومرة "رجل كويس ومرتاح".

لم تكن أمها هدى تحتاج إلى أن تقول الكثير.

كانت تذكر الاسم، ثم تنظر إلى مُهر.

وكانت مُهر تفهم.

أما أبوها سعيد، فكان يصمت. يجلس في مكانه المعتاد، يسبّح أحيانا أو يشرب الشاي، وكأنه يؤجل شيئا يعرف أنه سيأتي.

وفي وسط ذلك كله، جاءت الرحلة.

رحلة تنظمها جهة عمله، هيئة الأوقاف المصرية، من كفر الشيخ إلى القاهرة.

يوم واحد.

فسحة للأولاد.

كان سعيد فرحا بها أكثر منهم.

منذ الصباح وهو يتحرك بين الغرف:

ـ مين لسه ملبسش؟

ردت شادية من الداخل:

ـ أنا!

فصاحت هدى:

ـ إنتى لسه يا مقصوفة الرقبة؟!

ضحك سعيد.

ـ سيبي شوشو تفرح .

ثم التفت إلى محمد:

ـ وإنت خليك عينك على إخواتك.

رفع محمد حاجبه.

ـ حاضر يا بابا، متقلقش.

ـ إنت الكبير.

قالها سعيد وهو يناوله شنطة الطعام.

سوسن كانت أمام المرآة تصلح حجابها، ثم نظرت إلى مُهر. ظلت لحظة صامتة.

ـ حلو الفستان ده.

قالتها كأنها مجاملة، ثم أضافت:

ـ بس كان ممكن تختاري لون أغمق.

سمعتها هدى وقالت:

ـ أنا اللي اخترته.

لم تجب سوسن.

كانت مُهر قد فهمت أن الفستان لم يعد اختيارها وحدها.

وقبل أن يخرجوا، أمسكت هدى يدها وأصلحت طرف حجابها.

ـ خلي بالك من نفسك.

ثم سكتت لحظة.

ـ متكلميش حد.

وسكتت ثانية.

ـ ولو حد بص لك.. بصي في الأرض.

هزت مُهر رأسها.

كان سعيد قد وصل إلى الباب.

ـ يا جماعة هنلحق الأتوبيس ولا هنروح القاهرة مشي؟

ضحكت شادية، وأمسكت يد مُهر.

ـ أنا هقعد جنب مُهر.

قال محمد فورا:

ـ لا، إنتى تقعدي جنب ماما.

ـ ليه؟

ـ عشان أنا قلت.

تدخل سعيد:

ـ يا محمد، سيب أختك تنبسط.

فأجاب محمد بضيق:

ـ ماشي يا بابا.

خرجوا.

كان الأتوبيس قديما، وطلاؤه باهتا، وصوته أعلى من سرعته.

صعد الأولاد وهم في حالة من الفوضى الجميلة التي لا تعرفها البيوت.

شادية تريد الشباك.

محمد يريد أن يختار مكانه أولا.

سوسن تحمل كيسا صغيرا فيه لب وسوداني.

وهدى تعدهم واحدا واحدا كأنهم مرحلين  لمنطقة التجنيد .

ـ مُهر؟

ـ أيوه.

ـ شادية؟

ـ أنا هنا !

ـ محمد؟

 - تمام يا فندم .

ضحك سعيد.

ـ خلاص يا هدى، دول مش هيتوهوا.

نظرت إليه.

ـ إنت اللي هتتوه مننا أول واحد.

ضحك.

وانطلق الأتوبيس.

جلست مُهر قرب الشباك.

كانت تحب الشباك.

تحب أن ترى العالم من بعيد، دون أن تضطر إلى مواجهته.

كلما ابتعدوا عن كفر الشيخ، اتسعت الأرض.

البيوت قلت، والحقول امتدت، والطريق صار مفتوحا أمامها.

أسندت رأسها إلى الزجاج.

شعرت بشيء غريب.

كأن العالم أكبر من الحارة التي عاشت فيها، وأوسع من النوافذ المغلقة.

كانت شادية بجوارها، تحاول أن ترى الطريق من نفس الفتحة.

ـ وسعي يا مُهر.

ـ إنتى شايفة؟

ـ أيوه.. بس من ناحيتك أحلى.

ابتسمت مُهر وأفسحت لها.

من المقعد الآخر، قالت سوسن:

ـ خلي بالك يا شادية، متطلعيش دماغك.

فردت شادية:

ـ أنا مش عبيطة.

محمد تدخل:

ـ اسمعي كلام سوسن.

نظرت مُهر إليهم وضحكت.

حتى سعيد ضحك.

كان يريد لأولاده يوما لا ينسونه.

لكنه، كلما ضحكوا، عاد يتمم عليهم بعينيه.

ثم ينظر إلى مُهر أكثر من الجميع.

حين وصلوا إلى القاهرة، بدا كل شيء أكبر.

السيارات.

الأصوات.

الناس.

حتى الباعة كانوا ينادون بصوت مختلف.

نزلوا في منطقة الحسين.

تعلقت شادية بيد مُهر.

ـ متسيبنيش.

ـ مش هسيبك.

قال سعيد:

ـ خليكم قريبين.

ودخلوا.

كان المكان مزدحما.

روائح البخور تختلط برائحة الطعام، وصوت القرآن يأتي من مكان، وصوت الباعة من مكان آخر. خطوات الناس تتقاطع، وأيدى كثيرة ترتفع بالدعاء.

دخل سعيد إلى مقام سيدنا الحسين.

هدأ صوته، وهدأت معه هدى.

حتى محمد، الذي كان طوال الطريق يتحدث بصوت عالى، صار أكثر سكونا.

جلست مُهر قليلا.

لم تعرف لماذا شعرت بالراحة.

لا أحد هنا يعرفها.

لا أحد يعرف اسم أبيها.

لا أحد يعرف أنها البنت التي بدأت أمها تخاف عليها من الطريق.

وسط هذا العدد كله، كانت مجرد فتاة تجلس في هدوء.

أغمضت عينيها.

ولأول مرة منذ وقت طويل، لم تفكر في نظرات أحد.

كانت تسمع همسات الدعاء من حولها.

فقالت في سرها:

ـ يا رب.. ريح قلبي.

فتحت عينيها.

وجدت شادية تنظر إليها.

ـ بتدعي بإيه؟

ابتسمت مُهر.

ـ ولا حاجة.

قالت شادية:

ـ أنا دعيت لك.

ـ دعيتلي بإيه؟

ـ إنك تفضلي حلوة كده، وأبقى أحلى منك.

ضحكت مُهر، وضربتها بخفة على كتفها.

من بعيد، كانت سوسن تراقبهما.

لم تبتسم.

خرجوا إلى خان الخليلي.

هنا عادت الفوضى.

ـ يا باشا.. اتفضل شوف.

ـ يا ست الكل، عندنا حاجات حلوة.

ـ تعالى يا حبيبي، نشوف الخان اللى  بنسمع عنه فى الحكايات.

ضحكت شادية من كثرة النداءات.

ـ هو كلهم بينادوا علينا؟

قال محمد:

ـ عشان يبيعوا لنا.

ـ طب ما نشتري.

ـ وإحنا معانا فلوس قد إيه؟

تدخل سعيد:

ـ هنشوف.

وأخرج من جيبه بعض النقود ووزعها عليهم.

ـ كل واحد يختار حاجة بسيطة.

قفزت شادية:

ـ أنا الأول!

ـ بالراحة.

سوسن كانت تنظر إلى الأشياء دون أن تلمسها.

أما مُهر، فكانت تتوقف عند كل شيء.

مصابيح صغيرة.

أساور.

خرز.

مرايا.

تماثيل صغيرة.

أشياء لا تعرف أسماءها، لكنها تحب النظر إليها.

حتى وصلت إلى بائع تذكارات صغير.

على طاولته عشرات الأشياء.

مدت يدها نحو مركب خشبي صغير.

رفعته.

كان بسيطا، مطليا بألوان زيتية باهتة.

قال البائع:

ـ حلو؟

أومأت.

ـ آه.

قالت شادية:

ـ اختاري حاجة تانية.

ضحكت مُهر.

ـ ليه؟

ـ عشان ده هاخده منك.

تدخل محمد:

ـ هو عاجباها .

نظر إلى أخته، ثم إلى المركب.

ـ خديه.

قالتها سوسن فجأة:

ـ هي بتحب الحاجات البسيطة.

نظرت مُهر إليها.

لم تعرف هل كانت الجملة إعجابا أم شيئا آخر.

دفعت مُهر ثمن المركب، وأمسكته طوال الطريق.

كانوا يسيرون بين الأزقة حين نادى سعيد:

ـ مُهر!

التفتت.

كان رجل يقف بجوار محل، وقد سمع اسمها.

نظر إليها لحظة وقال مبتسما:

ـ مُهر؟ ياسلام ..اسم على مسمى... مهرة بجد.

توقفت مُهر.

لم تعرف ماذا تقول.

احمر وجهها.

وقبل أن يتحرك سعيد، كان محمد قد تقدم خطوة، ثم خطوة أخرى.

لكن رجلا آخر سبقه.

كان السيد، زميل سعيد في الرحلة والعمل.

وقف بين الرجل ومُهر، وقال بهدوء:

ـ لو سمحت.

الاحترام حلو.

اعتذر الرجل بكلمة واحدة، ثم تحرك.

قال سعيد بسرعة:

ـ معلش يا جماعة.

ثم أمسك يد مُهر.

ـ يلا.

مشت معه.

لكنها لم تنظر إلى الطريق.

كانت تفكر في شيء واحد:

لماذا بدا اسمها مختلفا حين خرج من فم رجل غريب؟

ولماذا شعرت، فجأة، أن الجميع ينظر إليها؟

لم تعرف.

خرج الأتوبيس من القاهرة في طريق العودة، وقد هدأ الجميع بعد يوم طويل.

شادية نامت ورأسها على كتف مُهر، ومحمد ظل يراجع عدد أفراد الأسرة كل فترة، كأنه يخشى أن يترك أحدا في الطريق.

أما سعيد، فكان أخيرا مستمتعا بالهدوء.

قال لزوجته:

ـ الحمد لله.. يوم جميل عدى على خير.

ابتسمت هدى.

ـ استنى بس لما نوصل بالسلامة.

ضحك.

وبعد قليل، بدأ صوت الأتوبيس يتغير.

مرة.. ثم مرة أخرى.. وبدأ يتأرجح  كأنه جمل 

حتى انطفأ المحرك تماما.

ساد الصمت لحظة.

ثم بدأ الكلام:

ـ في إيه؟

ـ الأتوبيس  عطل؟

ـ هنستنى قد إيه؟

نزل السائق، وفتح غطاء المحرك.

نزل سعيد خلفه.

وبدأ الرجال يتجمعون حول الأتوبيس، بينما بقيت النساء في الداخل.

شادية ألصقت وجهها بالزجاج.

ـ هنبات هنا؟

ضحك سعيد من خارج النافذة:

ـ لا يا حبيبتي، هنرجع يا قمر على البيت.

لكن ابتسامته لم تخفى قلقه.

كانت الساعة تتأخر، والبرد بدأ يتسلل من الأبواب.

فتحت هدى حقيبتها، وأخرجت شالا ووضعته على كتفي مُهر.

ـ غطي نفسك.

قالت مُهر:

ـ أنا كويسة يا ماما.

ـ غطي نفسك بس.

ظلوا ينتظرون.

ثم ظهر في آخر الطريق ضوء سيارة يقترب.

توقفت إلى جوار الأتوبيس سيارة سوداء كبيرة، لامعة، تختلف تماما عن كل ما حولها.

نزل منها شاب، واتجه إلى الرجال.

وأومأ برأسه إلى  السيد.

اقترب السيد من سعيد وقال:

ـ اتفضل يا أستاذ سعيد. عربية ابن عمي وصلت. لو تحب اوصلك والأسرة الأتوبيس عطلان مش هيتصلح.

نظر سعيد إلى السيارة، ثم إلى زوجته وأولاده.

لم يكن يريد أن يحمل أحدا فضلا عليه، لكنه لم يكن يريد أن ينتظر بهم في الطريق أكثر من ذلك.

ـ ربنا يكرمك يا سيد.

وفي دقائق، بدأوا يتحركون.

صعد محمد أولا، ثم ساعد شادية.

جلست هدى إلى جوارها.

أما مُهر، فوقفت لحظة عند باب السيارة.

نظرت إلى الداخل.

مقاعد واسعة، رائحة جلد، زجاج مغلق، وهدوء لا يشبه ضوضاء الأتوبيس.

ثم صعدت.

جلست بجوار النافذة.

تحركت السيارة.

وبقي الأتوبيس خلفهم، واقفا على جانب الطريق، كأنه شيء من عالم آخر.

نظرت مُهر إليه من الزجاج الخلفي.

ولم تعرف لماذا شعرت، للحظة، أنها تترك وراءها شيئا أكثر من مجرد أتوبيس معطل.

لم تمضى أيام كثيرة على الرحلة حتى جاء السيد.

لم يأتى هذه المرة زميلا في رحلة، ولا رجلا وقف بالصدفة في خان الخليلي.

جاء إلى البيت.

جلست مُهر خلف الباب نصف المفتوح، تسمع صوت أبيها سعيد وهو يرحب به، وصوت هدى وهي تضع أكواب الشاي على الصينية.

كان محمد في الصالة، صامتًا، يراقب الرجل من فوق إلى تحت.

أما سوسن، فكانت في المطبخ، تسمع كل شيء.

وشادية جلست إلى جوار مُهر وهمست:

ـ هو ده الراجل بتاع العربية؟

ابتسمت مُهر.

ـ اسكتي.

ـ هو غني؟

ـ معرفش.

ـ العربية كانت حلوة.

ضحكت مُهر رغم خوفها.

من الصالة جاء صوت السيد:

ـ أنا عارف إن الموضوع ممكن يكون مفاجئ، لكن أنا دخلت البيت من بابه.

سكت قليلا، ثم قال:

ـ وأنا مش طالب غير رضاكم.

نظرت هدى إلى مُهر.

لم تقل شيئا.

لكن نظرتها كانت كافية.

شعرت مُهر أن شيئا ما يتحرك نحوها، وهي لا تعرف كيف توقفه.

خرج سعيد من الغرفة، وجلس أمام الرجل.

ـ بص يا سيد.. مُهر لسه صغيرة.

قالها بهدوء، كأنه يحاول شراء بعض الوقت.

رد السيد:

ـ وأنا مقدر ده يا أستاذ سعيد. وعشان كده أنا مش مستعجل.

تدخلت هدى:

ـ بس البنت مش هتفضل صغيرة طول عمرها.

نظر إليها سعيد.

لم يعجبه الكلام، لكنه لم يرد.

كان يعرف أن زوجته لم تقل شيئا جديدا.

منذ أسابيع والعرسان يأتون في الكلام قبل أن يأتوا إلى البيت.

واحد عنده شقة.

واحد شغله كويس.

واحد أهله ناس محترمة.

والآن السيد.

رجل أكبر منها بسنوات طويلة ، لكنه مستقر، وله بيت وأرض وعمل، ولا يريد من الأسرة شيئا.

نظر محمد إلى السيد.

ـ وإنت هتخليها تكمل تعليمها؟

التفت إليه السيد.

ـ طبعا.

ـ وتخرج؟

ـ لو تحب.

ـ والشغل؟

ابتسم السيد.

ـ لما نتجوز نبقى نتكلم في كل حاجة.

لم تعجب محمد الإجابة.

لكنه سكت.

في المطبخ كانت سوسن تمسح يديها في طرف جلبابها.

قالت هدى بصوت منخفض:

ـ شايفة؟

ـ شايفة إيه؟

ـ الراجل مناسب.

لم تجب سوسن.

كانت تعرف أن كلمة "مناسب" لا تعني الشيء نفسه للجميع.

بالنسبة لأمها، كان يعني بيتا آمنا.

وبالنسبة لأبيها، رجلا يستطيع أن يتحمل المسؤولية.

وبالنسبة لمحمد، ألا يمد أحد يده على أخته.

أما مُهر..

فلم تكن تعرف ماذا يعني الزواج أصلا.

في تلك الليلة، جلست هدى إلى جوارها على السرير.

ـ إنتى خايفة؟

هزت مُهر رأسها.

ـ شوية.

ـ كل البنات بتخاف.

سكتت مُهر.

ثم قالت:

ـ أنا مش عايزة أسيبكم.

ابتسمت هدى، ومسحت على شعرها.

ـ هتسيبينا عشان تروحي بيت جوزك.

كانت الجملة بسيطة.

لكنها وقعت في قلب مُهر كأنها شيء ثقيل.

ـ وليه لازم أروح؟

نظرت إليها أمها طويلا.

ـ عشان دي الحياة.

ثم أضافت:

ـ وبعدين إنتى فاكرة إنك هتفضلي هنا لحد إمتى؟

لم تجب.

في اليوم التالي، أخرج سعيد ورقة وقلما.

كتب بعض الأرقام، وسأل عن الأرض، وعن البيت، وعن عمل أسرة السيد .

كان أبا يحاول أن يحول خوفه إلى حسابات.

أما مُهر، فكانت تحاول أن تحول خوفها إلى موافقة.

قالت في النهاية:

ـ موافقة.

لم يفرح أحد كما توقعت.

هدى تنفست براحة.

سعيد ظل صامتا.

محمد خرج من الغرفة.

سوسن لم تنظر إليها.

أما شادية، فدخلت عليها وهي تبتسم:

ـ بجد هتبقي عروسة؟

ضحكت مُهر.

ولأول مرة منذ أيام، شعرت أنها ما زالت هي.

جلست شادية إلى جوارها، وأمسكت يدها.

ـ هتجيبيلي حاجة حلوة لما تتجوزي؟

قالت مُهر:

ـ هجيبلك.

ـ زي إيه؟

فكرت قليلا.

ثم تذكرت القارب الخشبي الصغير الذي اشترته من خان الخليلي.

أخرجته من درجها.

كانت قد وضعته هناك منذ عودتها.

ناولته لشادية.

ـ خديه.

اتسعت عينا شادية.

ـ بجد؟

ـ آه.

أخذت شادية القارب وخرجت سعيدة.

بقيت مُهر وحدها.

نظرت إلى الدرج الفارغ.

ثم إلى المرآة.

كانت الفتاة نفسها التي وقفت أمامها منذ أيام في خان الخليلي، تضحك مع إخوتها، وتختار شيئا صغيرا لأنها أحبته.

لكن شيئا ما كان قد تغير.

ليس في وجهها.

ولا في ثوبها.

في الطريق الذي ينتظرها.

جلست على حافة السرير.

ومن الخارج وصلها صوت أمها وهي تتحدث عن الفستان، وصوت شادية وهي تسأل عن الحلوى، وصوت محمد يطلب من أبيه أن يتأنى.

ثم سمعت صوت سعيد:

ـ خلاص يا هدى.. اللي فيه الخير ربنا يقدمه.

وضعت مُهر يدها على صدرها.

لم تكن تعرف لماذا شعرت أنها ذاهبة إلى مكان لم تره من قبل.

وفي درج شادية الصغير، كان القارب الخشبي مستلقيا إلى جوار ألعابها.

قارب صغير...

بلا بحر.


طارق الحلوانى

اقرء المزيد
Hiamemaloha

أحب النهار للشاعرة أمل مصطفى خواجة

 أحبُّ النهار

أحب النهار الذي تأتي فيه الشمسُ خجولة.  

ف تُبهركِ حين تربتُ على وجهكِ بيدٍ دافئة،  

وتذكّركِ أن الأمسَ انتهى...  

وأن اليومَ لكِ وحدكِ، صفحةٌ بيضاء.

الشمسُ لا تسألكِ إن كنتِ جاهزة.  

هي تُشرقُ لأجلكِ أيضاً.  

سواء كنتِ حزينة، أومتعبة

حتى لو نسيتِ أن تبتسمي.  

كأنها تقولُ : "حتى لو انطفأتِ بالأمس،  

أنا هنا اليوم... لأضيءَ داخلكِ من جديد".


فـ افتحي نافذة 

النورَ لتغسل َما في قلبكِ.  

الصباحُ لا يطلبُ  الكثير...  

فقط أن تسمحي للشمسِ أن تجدكِ مستيقظة.


أمل مصطفى الخواجة


اقرء المزيد