__ أتلصص على صباحات فيروز __
شكرًا... يا فيروز،
لأنك غنيتِ لساحات بيروت العصيّة،
عن القلوب التي حاصرتها الجبال،
عن فتيات الجنوب المرحَّلات قسرًا،
وقد مزَّقت أحشاءهن النبال.
وغنيتِ...
لشعبٍ يعشق أغانيكِ الخالدة،
ولمروجٍ ذبحتها في الجنوب
الأطلال.
أغانيكِ يا فيروز
جعلتني... أتلصص على صباحاتكِ،
كأنَّ صوتكِ الشتويَّ
نُتَفٌ من ثلج،
تحاصر في جفنيكِ
دمعَه الزلال.
جعلتني أرى
عينيكِ الصيفيتين تخترقانني،
ورصاصتكِ الشهية
تزهر في قلبي موتًا أبيض،
يطوِّقه الهزال.
وجعلتِ أناملكِ القطنية
تغزل الصوف
من أشعة شمسٍ خجولة،
إذا هلَّ على كفِّكِ الهلال.
كيف لي أن أستسلم لأغانيكِ
المنتشية بكثافة الشعر؟
وكيف أقنع جيفارا
أنَّ بيروت
مرتعٌ للحالمات بوهم النظم،
وللجميلات اللائي يمتن كالفراشات،
إن ساءت الأحوال؟
وكيف أقنعه
أنَّ الكحل المتمرِّد
على لون الزعتر في عيونهن،
يتناقض مع ما شرعه النضال؟
جعلتني مواويلكِ
ألتهم ألحانكِ المقيَّدة،
حتى نزفتُ بين شفتيَّ الأغلال.
هذه النايات الفوضوية،
يخرج من ثقبها المستباح
أسرابٌ من فراشاتكِ التائهة،
فإذا هفهفت بأجنحتها،
تحركت بأشجار الكرز نواقيس،
وأصدرت لحنًا
تخشاه الظلال.
وسماواتكِ المغشاة بالسكون
جعلت عصافيركِ المرهقة
تبيع سمفونيتها الخالدة لنايٍ،
أعاد رسم السواد
إلى فنجانكِ الفارغ.
فتعلمتُ من حكمته الغائبة
أنَّ الصدَّ يقتله الوصال.
يا فيروز،
أريني كيف ترقص الملائكة في الضوء،
وكيف تخرُّ تحت قدميكِ الجبال،
وكيف تذبل قلوب العاشقين
في مراكبكِ المحترقة،
كلما مسَّها الإهمال.
محمد زغلال .