السبت، 8 أغسطس 2026

Hiamemaloha

مابعد النافذة للدكتورة راوية عبدالله

 "ما بعد النافذة"  


ما وراء الزجاج، تبدأ الحكاية حين يطلّ الإنسان فلا يرى العالم كما هو، بل كما ينقصه. 


 وما إن يطيل الوقوف أمام النافذة، حتى تتبدّل مقاييسه في صمت. لا يعود يرى الأشياء لذاتها، بل كما تمنّى لها أن تكون يومًا. 


يمرّ بين الوجوه، فلا يلمح إلا ما غاب عنها؛ ويجلس في البيوت، فلا يشعر إلا بالأثاث الذي لم يُقتنَ؛ ويصغي إلى القلوب، فلا يسمع إلا الكلمات التي لم تُقَل.


 هكذا لا يبدأ البعد عن الواقع بخطوة، بل بنظرةٍ أطالت الوقوف أمام أفقٍ لا يعرف الاكتمال. 


 للخيال نعمةٌ تشبه الماء ما دام يروي الروح، لكنه يغدو بحرًا بلا شاطئ حين يطلب الإنسان منه وطنًا دائمًا. 


عندها يصبح الواقع ضيفًا ثقيلًا على قلبٍ اعتاد موائد لا تُقام إلا في الذهن. وما كان يبعث الطمأنينة يصير عاديًا، وما كان يملأ اليد دفئًا يغدو أقلّ مما يستحق أن يُمسك.


 ليس لأن الأشياء قد ذبلت، بل لأن العين التي عادت من تلك الرحلة لم تعد تعرف كيف ترى الضوء وهو يهبط هادئًا على التفاصيل الصغيرة.  


لقد تعلّمت أن تقارن، ولم تعد تعرف أن تكتشف.  


وربما كانت أكثر الخسارات خفاءً أن يفقد الإنسان قدرته على الدهشة بما يملك؛ لا لأنه فقير، بل لأنه وسّع رغباته حتى لم تعد تشبع. 


عندها لا يعود النقص في الأشياء، بل في العين التي تنظر إليها. فالخيال، حين ينفصل عن جذوره، لا يمنح القلب جناحين، بل يعلّقه بين سماءٍ لا تُلامس وأرضٍ لم يعد يطمئن إليها.


  فيغدو العمر سلسلةً من المطاردات؛ كلما اقترب الإنسان من صورةٍ رسمها في ذهنه، تبدّلت ملامحها، وولدت في الأفق صورةٌ أبعد، كأن المسافة نفسها صارت قدرًا لا نهاية له. 


وهكذا يظلّ يطلب حياةً أخرى، حتى تمرّ حياته الحاضرة من جواره دون أن يشعر. 


 لهذا تبدو الحياة أحيانًا كنافذةٍ لا تحتاج إلى اتساعٍ جديد، بل إلى عينٍ عادت من سفرها الطويل، وتعلّمت أخيرًا أن ترى. 


 أن ترى أن الزهرة التي تنمو عند العتبة لا يقلّ سرّها عن تلك التي أزهرت في الحلم، وأن الضوء الذي يهبط على الأشياء كلّ صباح ليس أقلّ جمالًا لأنه لم يأتِ من جهةٍ بعيدة.  


فليس كل ما نتمناه أكثر قيمةً مما نملك، وليس كل ما نراه وراء الزجاج أوسع من العالم الذي تقف أقدامنا فيه. 


 وربما لا تكون الحكمة أن نتخلّى عن أحلامنا، بل أن نعرف كيف نحلم دون أن نُهين حاضرنا، وكيف نمدّ أعيننا إلى البعيد دون أن نعبر فوق القريب. 


 فبعض الأحلام لا تُفسدنا لأنها بعيدة، بل لأنها تجعل القريب يمرّ بنا من غير أن نراه.  


✍🏻د.راوية عبدالله🇾🇪


#راوية #رورو #حديث_الروح #صوت_داخلي #لغة_القلب #بوح_أنثى #أفكار_عميقة #نبض_الكلمات #خربشات_وجدانية #تأملات #عبّر_بصدق

Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :