معلقة اختلاف الأقدار
بقلمي الشاعر محمد علي باني
أَلَا إِنَّ فِي خَلْقِ الإِلَهِ لَحِكْمَةً
تَجَلَّتْ لَنَا فِي اخْتِلَافِ المَنَازِلِ
فَهَذَا لَهُ بِنْتٌ تُنِيرُ حَيَاتَهُ
وَهَذَا لَهُ ابْنٌ عَزِيزُ الشَّمَائِلِ
وَهَذَا لَهُ بَنُونَ زَانُوا وُجُودَهُ
وَهَذَا بِحُكْمِ اللهِ صَبْرُ المَرَاحِلِ
وَهَذَا لَهُ مَالٌ وَرِزْقٌ مُوَسَّعٌ
وَهَذَا يُكَابِدُ عُسْرَ دَرْبِ المَشَاكِلِ
وَهَذَا صَحِيحُ الجِسْمِ يَمْشِي مُعَافًى
وَهَذَا يُقَاسِي فِي الحَيَاةِ مَنَازِلِ
وَمَا ذَاكَ فَضْلًا فِي ذَوَاتِهِمُ الَّتِي
وَلَكِنْ اخْتِبَارٌ مِنْ حَكِيمِ الشَّمَائِلِ
فَلَا تَحْسَبَنَّ المَالَ رِفْعَةَ صَاحِبٍ
وَلَا الفَقْرَ نَقْصًا فِي كَرَامَةِ عَامِلِ
وَلَا تَحْسَبَنَّ العَجْزَ يَطْوِي كَرَامَةً
فَرُبَّ ضَعِيفِ الجِسْمِ عَظِيمُ الخَلَائِلِ
---
وَمِنْ وَالِدٍ أَمْسَى بِنَجْمِ بَنِيهِ
يَرَى فِي غَدِ الأَيَّامِ أَحْلَى المَآمِلِ
يُرَبِّي وَيَبْنِي فِي النُّفُوسِ مَكَارِمًا
وَيَحْرُسُهَا مِنْ زَلَّةٍ وَمَزَالِلِ
وَمِنْ أُمٍّ تَحْمِلُ الأَيَّامَ صَابِرَةً
وَتَسْقِي صِغَارَ القَلْبِ أَعْذَبَ مَنَاهِلِ
تَبِيتُ عَلَى هَمٍّ لِرَاحَةِ أَهْلِهَا
وَتَطْوِي أَسَى الأَيَّامِ دُونَ سَؤَالِ
وَمِنْ وَالِدٍ أُعْطِيَ بَنِينَ كَثِيرَةً
فَكَانُوا لَهُ فِي العُمْرِ خَيْرَ الوَسَائِلِ
وَمِنْ وَالِدٍ أُعْطِيَ بِنْتًا وَحِيدَةً
فَكَانَتْ لَهُ نُورًا بَيْنَ أَهْلِ المَنَازِلِ
وَمِنْ وَالِدٍ لَمْ يُرَزَّقْ بِخَلْفِهِ
فَصَانَ الرِّضَا فِي أَعْمَقِ المَرَاحِلِ
فَلَا كَثْرَةُ الأَوْلَادِ تَرْفَعُ قَدْرَ مَرْءٍ
إِذَا لَمْ يَكُونُوا مَوْضِعَ الخَيْرِ كَامِلِ
وَلَا حِرْمَانُ الوَلْدِ يُنْقِصُ قِيمَةً
فَرُبَّ قَلْبٍ بِالحُبِّ أَغْنَى المَنَاهِلِ
---
وَمِنْ طِفْلِ عُمْرٍ لَمْ يُطِلْهُ مَدَاهُ
مَضَى كَنَسِيمِ الفَجْرِ بَيْنَ الرَّوَاحِلِ
وَمِنْ فَتًى فِي رَيْعَانِ عُمْرٍ تَوَلَّتْ
بِهِ سَاعَةُ الأَقْدَارِ دُونَ تَمَاهُلِ
وَمِنْ شَيْخِ عُمْرٍ قَدْ تَطَاوَلَ عَهْدُهُ
يُرَاجِعُ أَيَّامًا مَضَتْ فِي المَرَاحِلِ
وَلَيْسَ طَوِيلُ العُمْرِ أَفْضَلَ صَاحِبٍ
إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي عُمْرِهِ خَيْرُ عَامِلِ
وَلَيْسَ قَصِيرُ العُمْرِ نَقْصًا لِمَرْءٍ
إِذَا خَلَّفَ الآثَارَ فِي كُلِّ مَنْزِلِ
فَمَا العُمْرُ إِلَّا مَا أَقَامَ مِنَ الهُدَى
وَمَا العِلْمُ إِلَّا مَا أَفَادَ لِسَائِلِ
---
وَسَيَرْحَلُ عَنْ هَذِي الحَيَاةِ كُلُّ مَنْ
عَلَى الأَرْضِ مَاشٍ فِي الطَّرِيقِ المَرَاحِلِ
فَلَا القَصْرُ يَبْقَى لِلْمَلِيكِ وَلا الغِنَى
وَلَا الجَاهُ يَحْمِي صَاحِبَ الجَاهِ نَازِلِ
وَلَا يَحْمِلُ الإِنْسَانُ إِلَّا عَمَلَهُ
وَخَيْرُ زَادِ المَرْءِ خَيْرُ الشَّمَائِلِ
فَإِنْ كَانَ ذَا مَالٍ فَلْيَجْعَلْ مَالَهُ
سَبِيلًا لِخَيْرٍ، لَا سَبِيلًا لِبَاطِلِ
وَإِنْ كَانَ ذَا عِلْمٍ فَلْيَنْشُرْ ضِيَاءَهُ
فَنُورُ العُقُولِ أَفْضَلُ المَنَازِلِ
وَإِنْ كَانَ فِي نِعْمَاءَ فَلْيَحْمَدِ الَّذِي
أَتَاهُ بِهَا مِنْ رَبِّهِ المُتَفَضِّلِ
وَإِنْ كَانَ فِي بَلْوَى فَلْيَصْبِرْ فَإِنَّهُ
لِكُلِّ قَضَاءٍ حِكْمَةُ المُتَأَمِّلِ
---
فَيَا ابْنَ آدَمَ ارْضَ الَّذِي قُسِمَ لَكَ
فَإِنَّ رِضَا الأَرْوَاحِ أَسْمَى المَكَارِمِ
وَمَا النَّاسُ إِلَّا عَابِرُونَ بِرِحْلَةٍ
وَيَبْقَى صَدَى الإِنْسَانِ بَعْدَ الرَّحِيلِ
فَطُوبَى لِمَنْ أَحْيَا القُلُوبَ بِرَحْمَةٍ
وَخَلَّفَ بَعْدَ الرَّحِيلِ جَمِيلَ الفَعَائِلِ
هَذِي الحَيَاةُ اخْتِلَافُهَا سُنَّةُ الرَّبِّ
وَفِي كُلِّ قَدْرٍ حِكْمَةٌ لِلْعَقَائِلِ
فَاشْكُرْ نَصِيبَكَ وَارْضَ بِالقَدْرِ مُوقِنًا
فَفِي كُلِّ قَدْرٍ رَحْمَةٌ لِلْمُتَأَمِّلِ
التوقيع؛
أنا ابنُ حرفٍ إذا ما لامسَ الألمَ
نبضَ الحنينُ بهِ وارتدَّ ملتهما
الكاتب والشاعر محمد علي باني
تونس