معلّقة من ظلام الجاهلية إلى نور الرسالة
الفصل الرابع: الأصنام واضطراب العقيدة
مقدمة وجدانية
تركنا سيف القبيلة وراءنا، ومضينا أبعد في رمال الجزيرة، حتى ظهرت لنا مكة من بعيد.
هناك، حيث البيت العتيق الذي رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، كان المشهد يحمل مفارقةً عجيبة؛ بيتٌ ارتبط بالتوحيد، وقد امتلأت أرجاؤه بالأصنام.
كان الإنسان الجاهلي يبحث عن الإله في السماء، ثم يمد يده إلى حجرٍ صنعه بيده.
يسافر، فإذا وجد حجراً أعجبه، نصبه أمامه، ثم طاف حوله، فإذا وجد حجراً أجمل منه ترك الأول واختار الثاني.
كانت الروح تبحث عن خالقها، لكن الجهل وضع بينها وبين الحقيقة حجاباً من الخرافة والتقليد.
ومع ذلك، لم يكن النور قد انطفأ تماماً.
فقد بقيت في الجزيرة بقية من ملة إبراهيم، وبقي في بعض النفوس رفضٌ للأصنام، وبحثٌ صادق عن ربٍّ واحد لا يشبه خلقه.
وكانت مكة تجمع القبائل، ويأتيها الناس من كل ناحية، وفيها التجارة، والشعر، والأسواق، والبيت الذي تعظمه العرب.
لكن خلف هذا المشهد كانت العقيدة مضطربة، والإنسان ممزقاً بين ما ورثه عن آبائه وما تبحث عنه فطرته.
وهنا يقف العقل أمام سؤالٍ عظيم:
كيف يعبد الإنسان حجراً لا يسمع دعاءه، ولا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً؟
وكيف تستقر الروح وهي تجعل خالقها في صورة شيءٍ صنعته يد الإنسان؟
لقد كان السؤال ينتظر جواباً...
وكانت السماء قد أعدّت للجزيرة يوماً سيغيّر وجه التاريخ.
---
أبيات الفصل
رَأَيْتُ بِمَكَّةَ بَيْتَ اللهِ مُعْتَصِمًا
وَحَوْلَهُ القَوْمُ فِي شَوْقٍ وَفِي أَمَلِ
وَلَكِنْ رَأَيْتُ الأَوْثَانَ قَدْ نُصِبَتْ
حَوَالَيَ البَيْتِ، بَيْنَ الحَجَرِ وَالحَجَلِ
فَيَرْكَعُ القَوْمُ لِحَجْرٍ لا حَيَاةَ لَهُ
وَيَسْأَلُونَ جَمَادًا نَصْرَهُمْ وَالْأَجَلِ
وَيَنْحَرُونَ لَهَا، وَالقَلْبُ يَسْأَلُهُمْ
أَيَنْفَعُ الصَّنَمُ المَرْجُوُّ مَنْ سَأَلِ؟
وَيَصْنَعُ القَوْمُ مِنْ أَيْدِيهِمُ صَنَمًا
ثُمَّ يَخْضَعُ لَهُ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالْأَمَلِ
إِذَا أَصَابَتْهُمُ الأَزْمَاتُ سَاءَلَهُ
وَإِنْ أَتَاهُمُ الخَوْفُ اسْتَغَاثُوا بِهِمْ وَجِلِ
وَكَانَ فِي القَوْمِ مَنْ يَرْفُضُ ضَلَالَهُمْ
وَيَطْلُبُ الحَقَّ فِي صَمْتٍ مِنَ الجَدَلِ
يَقُولُ: يَا قَوْمُ، إِنَّ الحَجَرَ لَنْ يَكُنْ
رَبًّا، وَلا يَمْلِكُ التَّدْبِيرَ لِلْعِلَلِ
وَإِنَّ رَبِّيَ رَبُّ النَّاسِ كُلِّهِمُ
رَبُّ السَّمَاءِ وَرَبُّ الأَرْضِ وَالجَبَلِ
وَمَا النُّجُومُ وَلا الأَصْنَامُ خَالِقَةٌ
وَلَا تَمْلِكُ فِي تَقْدِيرِنَا عَمَلِ
وَلَكِنْ تَرَاكَمَ فَوْقَ العَقْلِ مَا وَرِثُوا
فَصَارَ تَقْلِيدُ آبَاءٍ لَهُمْ سَبَلِ
وَمَا كُلُّ مَنْ وَرِثَ الأَفْكَارَ يَعْرِفُهَا
فَرُبَّ وَارِثِ جَهْلٍ حَسِبَهُ أَمَلِ
وَكَانَ بَعْضُهُمُ يَدْرِي بِأَنَّ لَهُمْ
رَبًّا عَظِيمًا وَلكِنْ غَلَّبَ الخَجَلِ
فَالدِّينُ عِنْدَ بَعْضِ القَوْمِ مَوْرُوثُهُمْ
وَالعُرْفُ أَقْوَى مِنَ البُرْهَانِ وَالدَّلَلِ
وَبَيْنَ جَهْلٍ وَأَفْكَارٍ مُقَدَّسَةٍ
تَاهَتْ عُقُولٌ وَضَاعَ النُّورُ فِي السُّبُلِ
وَلَكِنَّ فِي الأَرْضِ أَحْرَارًا لَهُمْ هِمَمٌ
تَرْفَضُ السُّجُودَ لِمَا لا يَمْلِكُ الأَجَلِ
تُفَتِّشُ فِي اللَّيْلِ عَنْ رَبٍّ لَهُ خَلَقَتْ
هَذِي السَّمَاءُ وَهَذَا الأَرْضُ وَالجَبَلِ
وَتَسْأَلُ النَّفْسُ: مَنْ أَحْيَا الوجودَ وَمَنْ
أَجْرَى النُّجُومَ وَمَنْ أَرْسَى لَنَا السُّبُلِ؟
فَيَسْكُنُ القَلْبُ لَمَّا يَسْتَقِرُّ عَلَى
أَنَّ الإِلَهَ وَحِيدٌ وَاحِدُ الأَزَلِ
وَمِنْ هُنَا كَانَ فِي صَمْتِ الصَّحَارِي لَنَا
صَوْتٌ يُنَادِي بِأَنَّ الحَقَّ لَمْ يَزَلِ
وَكَانَ فَجْرُ النُّبُوَّةِ فِي مَخَاضِهِ
يُخَبِّئُ النُّورَ بَعْدَ اللَّيْلِ وَالْوَجَلِ
سَيَأْتِي مُحَمَّدٌ بِالنُّورِ مُرْتَفِعًا
بِالوَحْيِ، يَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ وَالأَمَلِ
وَيَهْدِمُ الوَهْمَ، لا بِالسَّيْفِ مُقْتَحِمًا
بَلْ بِالحَقِيقَةِ وَالإِيمَانِ وَالعَمَلِ
وَيَجْعَلُ القَلْبَ بَيْتَ اللهِ مُعْتَمِدًا
لا الحَجَرَ الصَّامِتَ المَصْنُوعَ مِنْ عَمَلِ
---
خاتمة الفصل
وهكذا رأينا الإنسان الجاهلي واقفاً أمام مفارقةٍ كبرى:
بيتٌ بناه أهل التوحيد، وأصنامٌ صنعتها أيدي البشر.
ورأينا روحاً تبحث عن الله، لكنها تتعثر في ظلمات التقليد والخرافة، وعقلاً يعرف بعض الحق ثم يخشى مخالفة ما وجد عليه الآباء.
لكن الظلام، مهما طال، لا يستطيع أن يمنع الفجر.
كانت في الصحراء قلوبٌ لم تستسلم للأوثان، وكانت هناك فطرةٌ سليمة تبحث عن الحقيقة، وكان في الأفق موعدٌ مع أعظم تحول عرفته الجزيرة العربية.
لم يكن القادم مجرد تغييرٍ في أسماء الآلهة، بل كان تحريراً للإنسان من عبودية الإنسان والحجر والوهم.
سيأتي صوتٌ من غارٍ في جبلٍ بمكة، يحمل كلمةً تهزّ أركان الجاهلية:
اقرأ.
ومن تلك الكلمة سيبدأ فصل جديد من تاريخ الإنسان.
فبعد أن رأينا الصحراء، والخيام، والإبل، والسيف، والثأر، والأصنام، نقف الآن أمام لحظةٍ لا تشبه كل ما سبقها.
لحظةٌ سيتغير فيها وجه الجزيرة، ثم وجه التاريخ.
إنها لحظة نزول الوحي... وبداية نور الرسالة.
التوقيع الشعري
أَنَا ابْنُ حَرْفٍ إِذَا مَا لَامَسَ الأَلَمَ
نَبْضُ الحَنِينِ بِهِ، وَارْتَدَّ مُلْتَهِبَا
الكاتب والشاعر محمد علي باني / تونس