لحنُ الغياب
حينَ يرحلُ من تحبّين، لا يرحلُ وحدَه، بل يأخذُ معه ضوءَ الصباحِ، وطعمَ القهوةِ، ومعنى الكلامِ الذي كان يملأُ فراغَ الأيّام.
يتركُ خلفَه صمتًا ثقيلًا كستائرِ ليلٍ بلا نجوم، وجفاف يتوغل في الروحِ كصحراءَ لا تعرفُ المطر.
هي الآنَ...
تلك المرأة العاشقة التي كانت تستيقظُ على أشعارِه، تفتحُ عينيها على بياضِ الوسادةِ المجاورة، فتجدهُ غائبًا كأنّهُ لم يكنْ يومًا هنا. غيرَ أنّ الوسادةَ ما زالتْ تحتفظُ بدفء حروفه ، والجدرانُ ما زالتْ تردّدُ صدى ضحكاتِه، والهواءُ في الغرفةِ أصبح يعزى غيابِه.
كانتْ تقتربُ منه، وعيونُها تبحثُ عنه حتّى وهو أمامَها، كأنّها تخشى أن يذوبَ في الزحامِ أو أن يسرقَه الغيابُ فجأة.
كانتْ تبحثُ عنهُ في تفاصيلِه، في طريقةِ إمساكِه بفنجانِ القهوة، في عبثِ أصابعِه بأطرافِ قصائده، في التفاتةِ رأسِه حينَ يناديها باسمٍ لم ينطقْ به أحدٌ مثلَه.
كانتْ تبحثُ عنهُ لأنّها كانتْ تخافُ من هذا اليومِ الذي لا تجدُه فيه.
كان رجلًا مميّزًا، لبقَ الحديثِ، ينسجُ الكلامَ كما يُنسجُ الحرير، لا يقولُ إلّا ما يغذى القلب.
وكانتْ تعشقُ كلماتِه، تنتظرُها كما ينتظرُ العطشى أوّلَ الغيث.
كانتْ تريدُ أن تملأَ مسامعَها بلآلئِ حروفِه، أن تغرقَ في نبرتِه، أن تحفظَ إيقاعَ صوتِه كما يُحفظُ اللحنُ الجميل.
كانَ كلامُه لها وطنًا، وحينَ صمت... صارتْ بلا وطن.
في كلِّ صباحٍ، كانتْ تستيقظُ على أشعارِه كأنّها بلابلُ تطرقُ نافذةَ الروح.
تفتحُ عينيها فتبتسم، وكانَ يراها وهي تبتسمُ بعيونِ روحِه، تلك العيون التي لا تحتاجُ إلى ضوءٍ لترى، لأنّها كانتْ ترى بقلبٍ يعرفُ الطريقَ إليها ولو أظلمتِ الدنيا.
كانَ يعدُّ كلَّ يومٍ أشعارًا جديدة، يكتبُها بحبرِ الشوقِ، ويغلّفُها بوتينِ قلبٍ ذائبٍ في حرارةِ حبِّها، ثمّ يقدّمُها على مائدةِ الصباحِ كخبزٍ طازجٍ يسدُّ جوعَ الروح.
كانتْ تقرأُ فتحسُّ أنّ الحبَّ ممكنٌ، وأنّ الدنيا ما زالتْ تحتملُ الجمالَ ما دامَ فيها رجلٌ يكتبُ لها الشعر.
وكانا يلتقيانِ دونَ كلمات... فالعيونُ كانتْ تقولُ ما يعجزُ اللسانُ عن قولِه.
نظرةٌ منه تكفي لتخبرها أنّها الأجمل، ونظرةٌ منها إليه تكفي ليعرفَ أنّه الأقرب.
كانا يتكلّمانِ لغةً سريّةً لا يفهمُها إلّا القلبانِ المتواطئانِ على الحبّ، لغةً من صمتٍ ناطق، وسكونٍ مزدحمٍ بالمعاني.
ثمّ جاءَ وجه الفراق البغيض...
وجاءَ معه كلُّ ما لم يكنْ في الحسبان.
جاءَ كضيفٍ ثقيلِ الظلِّ، فجلسَ بينهما، وأطفأَ الشموعَ، وأسدلَ الستائرَ على النوافذِ المشرعةِ على الحبّ.
هي الآن...
تمشي في الطرقاتِ التي كانا يمشيانِها معًا، فتتعثّرُ في ذكرياتٍ متكسرة على الأرصفة. تجلسُ في المقهى الذي كانا يرتادانِه، فتطلبُ قهوتَه التي كان يشربُها، لعلّها تستعيدُ شيئًا من طعمِ وجودِه.
تعودُ إلى البيتِ، لتعانق دفاترَ أشعارِه، فتسيلُ الدموعُ على الحروفِ فتمحوها، كأنّ البكاءَ يريدُ أن يمحوَ كلَّ أثرٍ له، لكن هيهات هيهات...
فالأثرُ محفورٌ في الروحِ لا في الورق.
تستيقظُ كلَّ صباحٍ، فيخيّلُ إليها أنّها سمعتْ صهيلَ قصيدةٍ قادمةٍ من بعيد، فتركضُ إلى باب الحنين لعلّه عاد...
ثمّ تتذكّرُ أنّه رحل، فتعودُ إلى سريرِها، وتدفنُ وجهَها في الوسادةِ وتبكي فى صمتٍ كي لا يسمعَها الغيابُ فيشمت لحالها.
يا لقسوةِ الفراقِ حينَ يسرقُ منّا من نحبّ، ويتركُنا نتلوّى على جمرِ الذكرى.
ويا لقسوةِ الحبِّ حينَ يتحوّلُ من نعيمٍ نعيشُه إلى عذابٍ يرهقنا حمِلُه.
إنّها تمشي الآنَ وفي صدرِها مقبرةٌ صغيرةٌ دفنتْ فيها كلَّ الكلماتِ التي لم تقلْها له وكان يجب أن تقلها، وكلَّ الأشواقِ التي لم تعترفْ بها، وكان يجب أن تعترف بها، وكلَّ الأحلامِ التي كانتْ تنتظرُ أن تحلق معه فى أحضانها .
كانتْ تعشقُه...
وما زالتْ.
فالفراقُ يخطفُ الأجسادَ لكنّه يعجزُ عن خطفِ القلوب.
وهي تعرفُ ذلك جيّدًا، لذلكَ تعيشُ على أملٍ خفيّ، كجذوةٍ تحتَ الرمادِ لا تريدُ أن تنطفئ. تنتظرُ عودتَه كما تنتظرُ الشجرة مائها، وتؤمنُ أنّ الحبَّ الحقيقيَّ لا يموتُ، بل ينامُ قليلًا ليستفيقَ أقوى.
وحينَ يسألُها أحدٌ عن حالِها بعدَ الفراق، تبتسمُ ابتسامةً مكسورةً كغصنٍ عاصفته الريح، وتقول: "أنا بخير...
لكنّ قلبي ما زالَ يبحثُ عنهُ في كلِّ الوجوه، وما زالتْ عيوني تلتفتُ كلّما سمعتُ خطواتٍ تشبهُ خطواتِه، وما زلتُ أستيقظُ كلَّ صباحٍ على أملِ أن أجد بذور قصيدةً جديدةً يزرعها فى مهجتى.
إنّها لم تفقدْه...
هي فقط أضاعتِ الطريقَ إليه.
والطريقُ إلى الحبيبِ يُعرفُ بالقلبِ لا بالخرائط، وما دامَ القلبُ ينبضُ بحبِّه، فالطريقُ ما زالَ موجودًا... ولو بعدَ حين.
محمدعبدالخالق