الثلاثاء، 18 أغسطس 2026

Hiamemaloha

ق.ق الرحيل للدكتورة نجوى محمد سلام

 قصة قصيرة ( الرحيل ) 

 وحده من منحته منذ صباي صكوك احتلال مشاعري ،  الوحيد الذي حلق معي بي في براح فضاءاتي الأنثوية ، وحملني معه لمدارات فهم متاهات الذات ،  أسافر منه إليه فتطرب لجمال حضوره الآسر روحي .

كنت على عتبات مراهقتي الأولي عندما غزاني رونق ابتسامته الساحرة وهو يقف ببابنا يسأل عن أبي ، كنا وقتها عائدين تواً من سنوات غربتنا ، عرفت من أبي بعدها أنه نجل جارنا المحترم زميل طفولة أبي .

دفؤهم العائلي أحاطنا بالأمان ، ربيع يغرينا بأشجار عطف ومحبة ليس لها مثيل ، مارسوا شرعية إقامتهم بأرواحنا وزرعوا كل ألوان البهجة أينما حلوا ، اكتسحوا كل سواحل فكرنا بنات أفكارهم وأشرعوا أبواب السعادة علي مصراعيها بنزاهة فاض رونقها وبشلالات عطاء لا حدود له ، أمطرت دقائقنا معهم وتناسلت ساعات دثرها الرضا بطلتهم الباهرة .

أغرقني من بينهم بريقه ، وأرهقني جداً العدو خلفه ،  أفقد خلايا عقلي اتزانها ، فرحت أتابعه خلسة من خلف نوافذي ، أشعل مواقد لهفتي له وهيامي به بحرفية ، صرت مجنونة جداً به أرفض كل من سواه ، لا أترنم إلا بشدوه ، ولا أرتل إلا سيمفونيات هوسي بفارسي  الفريد .

بلطف باح لأبي بمكنونات نفسه ، صعقت لرفض أمي بسبب تفاوتنا العلمي ، فمثلي لا يليق بها رجل متوسط التعليم ، تعساً لي بحصون عادات وتقاليد بالية .

انهمرت شلالات أمطاري السوداء ، هزلت روحي ، لكن دون جدوى .

مرت الشهور ثقيلة الخطى ، سافر بعدها لأداء واجبه تجاه الوطن ، عاد بألق أكثر توهجاً  مسكوناً بالروعة ، حاولت مع وطني الأول أن أشطب من قاموسها كل الفواصل والحدود الطبقية ، أبت واستعصت وأشتعلت جذوة تمردها ، تفاجأت ذات مساء بغريب صار في لمح البصر زوجي ، تبدلت بين عشية وضحاها كل أحلامي وأضحت كوابيس تسقطني في براثن غروب الروح .

 عانيت جفاف المشاعر وانحرفت كل مساراتها عن أمي مع كل طعنة غدر أثخنني بها الغريب .

 كرت السنين خيوطها فصرت في الأربعين ، كهلة لا تزهر روحها إلا البوار والجفاف ، فقط لحظات أختلسها خلف نافذتي ببيت أبي تعيد لي رونق الحياة وتبتهج نسائمي لطلته ، ألمح طفلتي القديمة في مرآه حجرتي فتتحطم كل حواجز انطفائي ، انتبه لوقع خطى ابني الصغير  ، أعود أدراجي قابعة في زوايا عتمتي لا تغريني الحياة .

طالبتهم  مراراً بصك حريتي لكن دون جدوى ، أصابهم جميعاً الصمم .

ركضت السنوات سقط خلالها غريبي في براثن المخدرات ، نال عقاب جرائمه بالسجن ، طلقني دون رغبتي .

عدت أدراجي لبيت أبي ، التجأت لسجادتي لأعيد اتزاني ،   عاد فارسى ليقيم طقوس حلمنا القديم ، رفضته ، دعوت الله ألا يدع أشرعة خيانتى لزوجته تطوف حول روحي وتدق إيقاعاتها في وتيني ، واستمسكت بعرى ديني ، توجهت بكليتي لله لتتورد معه خطاي ، استنكرت أن أقيم مدن سعادتي بفارسي على أنقاض أحلام أخرى أتقاسمه معها .

ذات زيارة لبيت أبي باغتني الموت وانتزع جاري عنوة ،  سلبني فارس صباي وكل عمري ، آثر رحلته الخالدة وتركني تنهشني مخالب الرحيل ، وذكريات العمر الماضي وتفاصيله المرهقة. 


د/ نجوى محمد سلام 

( الفراشة الحالمة )


من ذكريات نشري معكم 

منتدى نبض القلم للشعر والأدب

Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :