مَعْلَمُ السِّحْرِ
نَعَمْ.. مَنْ يَا تُرَى؟ عَلَّـمَ عَيْـنَاهَا السِّحْرَا؟
وَأَلْـقَى بَيْنَ جَنْبَيَّ مِنْ رُقَاهَا جَمْرَا؟
عُيُونٌ كَسُمْرَةِ العَسَلِ المُصَفَّى شُعَاعُهَا
تَوَشَّحَ بِالمَاسِ.. فَأَهْدَى لَنَا الفَجْرَا
إِذَا أَبْصَرَتْ عَيْنِي سَنَاهَا تَجَمَّدَتْ
خُطَايَ.. وَصَارَ الكَوْنُ فِي لَحْظِهَا سِتْرَا
أَمُوجُ بِبَحْرٍ مِنْ رُؤَاهَا وَأَغْرَقُ
وَلَمْ أَرَ قَبْلِي غَارِقاً يَشْتَهِي الأَسْرَا!
لِحَاظٌ إِذَا رَنَتْ بِنُورٍ وَرِقَّةٍ
تَذُوبُ قُلُوبُ العَاشِقِينَ لَهَا طُهْرَا
فَلَسْتُ أَرَى فِي المَاسِ إِلَّا بَرِيقَهَا
وَلَا فِي شِفَاهِ النَّحْلِ إِلَّا لَهَا ذِكْرَا
هِيَ النُّورُ.. لَكِنْ مِنْ تُرَابٍ خَلَاقُهَا
أَعَزُّ أَمَامَ النَّاسِ.. أَمْ لَهَا أَسْرَى؟
حَبَانِي بِهَا الرَّحْمَنُ فِتْنَةَ شَاعِرٍ
أَصُوغُ لَهَا الدُّرَّ المُنَضَّدَ وَالشِّعْرَا
فَمَا سِحْرُ هَارُوتٍ بَبَابِلَ عِنْدَهَا
سِوَى نَفْثَةٍ.. حَارَتْ بِأَجْفَانِهَا دَهْرَا
إِذَا مَا دَعَوْتُ الحَرْفَ أَمْدَحُ غَيْرَهَا
تَمَرَّدَ كَفِّي.. وَاصْطَفَى اسْمَهَا سَطْرَا
كَأَنَّ القَوَافِي فِي دَوَاتِيَ أَقْسَمَتْ
بِأَنْ لَا تَرَى فِي غَيْرِ أَوْصَافِهَا طُهْرَا
فَأَكْتُبُهَا شِعْراً.. فَتُصْبِحُ عَالَمِي
وَيَغْدُو القَرِيْضُ العَذْبُ فِي كَفِّهَا عِطْرَا
تَغُضُّ جُفُوناً حَيْرَةً وَمَهَابَةً
فَتَنْشُرُ فِي جَوِّ المَحَابِيْرِ لِي عُذْرَا
إِذَا صَدَّتِ العَيْنَانِ خَوْفَ مَلَامَةٍ
رَأَيْتُ حَيَاءَ الخَدِّ مِنْ صَدِّهَا بَدْرَا
هُوَ الوَجْدُ لَا يَبْغِي وِصَالاً تَدَنَّسَتْ
مَعَانِيهِ.. بَلْ يَبْغِي لَهَا الخُلْدَ وَالذِّكْرَا
طَغَتْ سُمْرَةُ العَسَلِ المُصَفَّى فَأَشْعَلَتْ
بِرِمْشِ اللُّجَيْنِ المَاسِ فِي كَوْنِنَا ذُعْرَا!
إِذَا مَا اسْتَفَزَّتْ مَاسَةُ العَيْنِ لَحْظَهَا
تَرَاخَتْ جِبَالُ الأَرْضِ، وَانْهَدَمَتْ قَهْرَا
بِلَادٌ مِنَ الإِعْجَازِ تَحْتَ جُفُونِهَا
فَلَا طَائِرٌ يَغْشَى، وَلَا سَائِرٌ يَقْرَا
غَزَتْنِي بِلَا جَيْشٍ، وَأَدْمَتْ مَشَاعِرِي
سِهَامٌ تَرَى فِي الطُّهْرِ حُرْمَتَهَا الكُبْرَى
أُقَاتِلُ فِيْهَا النَّفْسَ خَوْفَ دَنَاءَةٍ
وَيَقْتُلُنِي الإِجْلَالُ إِنْ لَمْ أَجِدْ صَبْرَا
هِيَ الحَرْبُ.. لَكِنْ لَا دِمَاءَ تُبَاحُ فِي
حِمَاهَا.. سِوَى دَمْعٍ يَسِيْلُ لَهَا نَذْرَا!
تَسِيْلُ دَوَاةُ الشِّعْرِ مِنْ غَامِضِ الهَوَى
فَتَسْجُدُ أَبْحَارُ الخَلِيْلِ لَهَا شُكْرَا
فَمَا أَنَا إِلَّا مَحْوُ طَلْعَتِهَا الَّتِي
إِذَا أَشْرَقَتْ، خَرَّ الزَّمَانُ لَهَا فِكْرَا
تَمُوتُ لُغَاتُ الأَرْضِ لَفْظاً وَمَنْطِقاً
وَيَبْقَى عَقِيْقُ العَيْنِ فِي شِعْرِنَا ذُخْرَا
إِذَا غَابَتِ الصُّوَرُ العَذْرَاءُ فِي غَسَقِ الدُّجَى
بَقِيتِ بِمَحْرَابِ المَحَابِيرِ لِي عُمْرَا
رَحَلْتُ.. وَلَكِنْ فِي عُيُونِكِ مَوْطِنِي
أَمُوتُ غَرِيباً.. إِنْ سَلَوْتُ لَهَا فِجْرَا
فَخُذْ يَا زَمَانُ الشِّعْرَ عَنِّي، فَهَاهُنَا
حُرُوفُ نَبَأْ.. صَارَتْ لِعَيْنَيْهَا قَبْرَا!
تَمَطَّتْ قَوَافِي الطَّوِيلِ النَّقِيِّ وَأَقْفَلَتْ
بِأَجْمَلِ مَا عِنْدِي.. وَسَلَّمَتِ الأَمْرَا
نبأ البشيري
فَخُذْ يَا زَمَانُ الشِّعْرَ عَنِّي، فَهَاهُنَا ... حُرُوفُ مُحِبَها صَارَتْ لِعَيْنَيْهَا قَبْرَا!