صراع بين الذات والقلم والورق
ليس كل صراعٍ يُسمع صوته، وليس كل معركةٍ تُخاض بالسلاح. هناك معارك صامتة تدور في أعماق الإنسان، لا يراها أحد، ولا يشعر بحرارتها إلا من يعيشها. ومن أقسى هذه المعارك ذلك الصراع الذي ينشأ بين الذات والقلم والورق؛ ثلاثية تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها في حقيقتها تحمل عالماً كاملاً من الألم والبوح والانتظار.
بعد صراع طويل، ومخاض عسير، تولد الكلمة.
تولد من رحم المعاناة، ومن عمق الجرح، ومن ليالٍ طويلة قضتها الذات وهي تبحث عن مخرج من صمتها. لا تأتي الكلمة بسهولة، ولا تنزل على الورق كما تنزل قطرات المطر على الأرض؛ إنها تنتزع انتزاعاً من أعماق الروح، بعد أن تمر بين نار الألم، وصمت الذات، وإصرار القلم، وانتظار الورق.
فالذات تتألم، والقلم يتحرك، والورق يستقبل.
وهكذا تبدأ الحكاية...
في آخر الليل، حين يهدأ كل شيء، حين تنطفئ الأصوات من حولي، ويغادر الناس أماكنهم، وتبقى الغرفة غارقة في سكونها، أجدني وحيداً أمام ورقة بيضاء.
أنظر إليها طويلاً.
تبدو لي في البداية كأنها جدار أبيض، صامت، لا يقول شيئاً، لكنه يعرف أنني أحمل في داخلي الكثير. أضع القلم أمامي، ثم أتردد في الإمساك به. أشعر أن يدي ثقيلة، وأن الكلمات مختبئة في مكان بعيد داخل نفسي.
تجلس ذاتي بين القلم والورق.
تقول:
اتركني وشأني... لقد تعبت.
ويرد القلم:
بل دعني أتكلم عنك، فقد عجزتَ عن الكلام.
وتقول الورقة بصمتها:
أنا هنا... اكتب، فلن أفضح سرك، ولن أسألك لماذا تتألم.
وهنا يبدأ الصراع.
الذات تريد الصمت، والقلم يريد الكلام.
الذات تريد أن تنسى، والقلم يريد أن يتذكر.
الذات تريد أن تغلق أبواب الماضي، والقلم يصر على فتحها باباً باباً.
الذات تخاف من الجرح، والقلم لا يخاف من الدم.
كلما حاولت أن أدفن شيئاً في داخلي، جاء القلم ونبشه من جديد. كلما قلت لنفسي: "انتهى الأمر"، جاء القلم ليقول: "لم ينتهِ بعد، ما زال هناك شيء لم يُكتب."
وهنا أدرك أن القلم ليس مجرد أداة أضعها بين أصابعي.
القلم كائن آخر يسكنني.
إنه صوتي حين أعجز عن الكلام، وصرختي حين أختار الصمت، ودمعتي حين أرفض البكاء.
القلم يعرفني أكثر مما يعرفني الآخرون.
يعرف ارتباكي، وانكساري، وخوفي، وانتظاري. يعرف الأشياء التي أخفيتها عن أقرب الناس إليّ، والأحلام التي ماتت قبل أن ترى النور، والآمال التي أرهقها الانتظار.
يعرف القلم أيضاً أن وراء كل كلمة حكاية.
وأن وراء كل نقطة دمعة.
وأن وراء كل سطر ليلة طويلة من التفكير.
أما الورق، فهو الشاهد الصامت على كل ذلك.
لا يعترض.
لا يحاكم.
لا يسأل.
لا يقول لي: لماذا ضعفت؟ ولماذا تألمت؟ ولماذا بقيت واقفاً رغم كل ما مر بك؟
إنه فقط يفتح ذراعيه البيضاوين ويقول:
ضع كل شيء هنا.
ضع حزنك.
ضع خوفك.
ضع غضبك.
ضع أحلامك.
ضع خيباتك.
ضع ما لم تستطع قوله لأحد.
ولهذا أصبحت الورقة بالنسبة إليّ أكثر من مجرد مساحة للكتابة؛ أصبحت وطناً صغيراً ألجأ إليه عندما تضيق بي الأوطان، وصديقاً لا يخون، وصدرًا أضع عليه رأسي دون خوف.
أكتب...
ثم أتوقف.
أمسح كلمة.
أكتب أخرى.
أمزق الورقة أحياناً.
وأعود إليها أحياناً أخرى.
فالكتابة ليست دائماً ولادة سهلة. إنها مخاض طويل، يشبه مخاض الأم حين تنتظر مولودها. وبين لحظة وأخرى، أشعر أنني ألد حرفاً من وجعي، ثم كلمة من حزني، ثم جملة من تجربة تركت في داخلي أثراً لا يزول.
كل كلمة لها ثمن.
وكل سطر يحمل جزءاً مني.
وكل فقرة هي قطعة من ذاكرة لا تريد أن تموت.
وأحياناً يكون أصعب ما في الكتابة هو أن تكون صادقاً مع نفسك.
لأن الصدق مع الآخرين قد يكون سهلاً، أما الصدق مع الذات فهو أصعب.
حين أكتب، لا أستطيع أن أختبئ خلف الأقنعة.
الورقة تعرفني كما أنا.
ترى الإنسان الذي يضحك أمام الناس، بينما يحمل في داخله حزناً لا يعرفه أحد.
ترى الذي يقول: "أنا بخير"، وهو في الحقيقة يبحث عن لحظة واحدة يستطيع فيها أن ينهار دون أن يراه أحد.
وترى الإنسان الذي يمد يده للآخرين، بينما لا يجد أحياناً من يمد يده إليه.
لهذا تكون الكتابة مؤلمة.
لأنها تكشف ما نحاول إخفاءه.
ولكنها، في الوقت نفسه، تمنحنا فرصة للنجاة.
فحين أكتب عن الألم، لا أزيده دائماً؛ أحياناً أخرجه من داخلي.
وحين أكتب عن الحزن، أشعر أنني أقسمه نصفين: نصف يبقى في القلب، ونصف أتركه على الورق.
وحين أكتب عن الخوف، أشعر أنني أنظر إليه للمرة الأولى دون أن أهرب.
وهنا يتحول القلم من شاهد على المعاناة إلى وسيلة لمواجهتها.
فالذات قد تنهار، لكن القلم يبقى واقفاً.
والذات قد تتردد، لكن القلم يواصل السير.
والذات قد تخاف من الحقيقة، لكن القلم يقترب منها خطوة بعد أخرى.
ولذلك كثيراً ما أسأل نفسي:
من يكتب من؟
هل أنا الذي أحرك القلم؟
أم أن القلم هو الذي يحركني؟
هل أنا الذي أختار الكلمات؟
أم أن الكلمات هي التي تبحث عني؟
وهل الورق يستقبل ما أكتب؟
أم أنه هو الذي يستخرج مني ما لم أكن أعرف أنني أحمله؟
إنها أسئلة لا أجد لها جواباً.
كل ما أعرفه أن هناك لحظة غريبة تحدث أثناء الكتابة؛ لحظة يصبح فيها الإنسان والقلم والورق شيئاً واحداً.
تختفي الحدود.
لا يعود هناك كاتب وقلم وورقة.
بل يصبح هناك وجع يبحث عن لغة، وروح تبحث عن نافذة، وحرف يحاول أن ينقذ صاحبه من الاختناق.
وهكذا تتحول المعاناة إلى نص.
والصمت إلى كلام.
والدمعة إلى نقطة.
والصرخة إلى جملة.
والجرح إلى قصيدة.
قد يظن البعض أن الكاتب يعيش بعيداً عن الألم لأنه يستطيع التعبير عنه، لكن الحقيقة أن الكاتب ربما يعيش الألم مرتين؛ مرة حين يقع فيه، ومرة حين يستعيده وهو يكتب.
فحين يكتب عن الماضي، يعود إليه.
وحين يكتب عن الفقد، يستعيد الغائب.
وحين يكتب عن الخيبة، يفتح بابها من جديد.
وحين يكتب عن الجرح، يلمسه مرة أخرى.
ومع ذلك يستمر.
لماذا؟
لأن الكتابة أصبحت بالنسبة إليه ضرورة، وليست ترفاً.
إنه يكتب لأنه إذا لم يكتب، اختنق.
يكتب لأنه لا يستطيع أن يحمل كل هذا في داخله.
يكتب لأن الكلمات حين تبقى حبيسة الروح تتحول إلى ثقل.
والقلم هو المنفذ.
والورق هو الملجأ.
والحرف هو طوق النجاة.
ومع مرور الوقت، يصبح القلم رفيق الوحدة.
لا يطلب شيئاً.
لا يلوم.
لا يغضب.
لا يتركك عندما تكون في أسوأ حالاتك.
يبقى إلى جانبك في منتصف الليل، حين ينام الجميع، ويستمر معك حين يتعب الجميع من سماعك.
ولهذا أحب قلمي، لا لأنه يكتب الكلمات فقط، وإنما لأنه حمل عني ما عجزت عن حمله وحدي.
أما الورق، فقد حفظ ما نسيه الزمن.
ربما ينسى الإنسان تفاصيل كثيرة من حياته، لكن الورقة لا تنسى.
كل صفحة هي ذاكرة.
كل سطر شاهد.
كل كلمة أثر.
وكل نقطة نهاية صغيرة لحكاية وبداية لحكاية أخرى.
ومع ذلك، يبقى الصراع قائماً.
فالذات تقول للقلم:
كفى! لقد كشفت الكثير.
فيرد القلم:
ما زال هناك المزيد.
وتقول الذات:
دع الماضي يموت.
فيجيب:
إن الماضي لا يموت ما لم نتصالح معه.
وتقول:
أريد أن أعيش.
فيجيب:
إذن اكتب.
لأن الكتابة ليست دائماً هروباً من الحياة؛ قد تكون عودة إليها.
قد يكتب الإنسان ليهرب من واقعه، لكنه يعود من الورق أكثر قدرة على مواجهته.
يضع ألمه على الصفحة، ثم ينهض.
يسجل خسارته، ثم يمضي.
يعترف بخوفه، ثم يحاول من جديد.
وهنا تكون الكتابة انتصاراً صغيراً.
ليس انتصاراً على الحياة، ولا على الآخرين، وإنما انتصار على العجز الداخلي.
كلما كتبت، شعرت أنني أستعيد جزءاً مني.
وكلما انتهيت من نص، شعرت أن شيئاً ثقيلاً غادر صدري.
قد لا تختفي المعاناة تماماً، لكنها تصبح أقل قسوة.
وقد لا تنتهي الجراح، لكنها تصبح أكثر قابلية للفهم.
وقد لا يتغير الماضي، لكن نظرتنا إليه تتغير.
وهذا هو سر الكتابة.
إنها لا تغير ما حدث، لكنها تغير الطريقة التي نحمل بها ما حدث.
وفي نهاية كل ليلة، حين أضع النقطة الأخيرة، أنظر إلى الورقة طويلاً.
أشعر بالتعب.
أشعر أنني تركت عليها جزءاً من روحي.
ثم أضع القلم جانباً.
تسكت الذات قليلاً.
ويصمت القلم.
وتستريح الورقة بعد أن حملت كل ذلك الكلام.
أتنفس بعمق.
وأكتشف أن الصراع لم ينتهِ.
فالذات ما زالت تحمل أسئلتها.
والقلم ما زال يحمل حروفه.
والورق ما زال ينتظر الحكاية القادمة.
لكن شيئاً واحداً قد تغير:
لقد أصبح الألم مكتوباً.
وما دام الألم قد خرج من ظلمة الداخل إلى نور الورق، فقد أصبح قابلاً لأن يُرى، ويُفهم، وربما يُشفى.
وهكذا، لم تنتصر الذات على القلم، ولم ينتصر القلم على الورق، ولم ينتصر الورق على الذات...
بل انتصر الحرف على الصمت، والكلمة على الخوف، والكتابة على الألم.
وسأظل أكتب...
ليس لأنني أملك دائماً ما أقوله، بل لأن في داخلي دائماً شيئاً يريد أن يُقال.
سأظل أكتب حين أفرح، وحين أحزن، وحين أشتاق، وحين أتعب.
سأكتب حين تضيق بي الحياة، وحين تفتح لي أبوابها.
سأكتب لأنني وجدت في القلم رفيقاً لا يرحل، وفي الورق صدراً لا يضيق، وفي الحرف حياة أخرى.
فربما كانت الكتابة هي المساحة الوحيدة التي يستطيع فيها الإنسان أن يكون نفسه كاملة، بلا قناع، بلا خوف، بلا تبرير.
وربما كان الكاتب لا يكتب لأنه يريد أن يسمعه الآخرون، وإنما لأنه يريد أولاً أن يسمع نفسه.
ولهذا، كلما جلس الكاتب أمام الورقة البيضاء، تبدأ الحكاية من جديد...
الذات تتألم، والقلم يسأل، والورق ينتظر.
ثم يولد الحرف.
وتولد معه حكاية جديدة.
الكاتب
د. مقبول عز الدين