وَحْيُ الهَوَى
بقلم: نبأ البشيري
أَنَا لَسْتُ شَاعِراً..
إنَّمَا أَنَا حَرْفٌ يُوحَى،
يَتْلُو عَنِ القَلْبِ المَكْلُومِ مَا رَوَى،
وَيَفُضُّ خَتْمَ النَّبْضِ وَمَا حَوَى!
أَنَا تَرْجَمَةُ الشِّرْيَانِ،
وَمَا جَرَى فِي مَجَارِيهِ مِنْ ضَجِيجِ الحَنِينْ..
حَرْفٌ يَعِيشُ عَلَى التَّوْقِ،
يُزْهِرُ إذَا نُورُ الفَجْرِ اسْتَوَى،
وَيَتَطَيَّفُ كَالظِّلِّ النَّحِيلِ.. إذَا اللَّيْلُ سَرَى.
يَتَخَلَّلُنِي هَذَا الوَحْيُ كَارْتِعَاشَةِ المَاءِ،
يَعْبُرُنِي كَنَسِيمٍ بَارِدٍ فِي جَحِيمِ العُزْلَةِ،
يَسْتَبِيحُ مَقَابِرَ الذِّكْرَى،
وَيَرْسُمُ بِأَصَابِعَ مِنْ نُورٍ.. سَمْتَ مَنْ أَهْوَى.
أَنَا مَحْضُ مِرْآةٍ لِطَيْفِكَ الْمُسَافِرِ فِي دَمِي،
كُلَّمَا حَاوَلْتُ النُّطْقَ..
نَطَقَتْ جِرَاحِي بِاسْمِكَ قَبْلَ لِسَانِي!
هُوَ حَرْفٌ مُقَدَّسٌ لا ضَلَّ وَلا غَوَى،
حُكِيَ عَنِ القَلْبِ يَوْمَ التَقَيْنَا مَا رَوَى،
إنَّمَا هُوَ حَرْفٌ.. وَحْيُهُ هَوَى!
لا يَعْرِفُ التَّلَعْثُمَ حِينَ يَكْتُبُ عَيْنَيْكَ،
وَلا يَخُونُ المَوَاثِيقَ الطَّاهِرَةَ..
وَإِنْ طَالَ النَّوَى،
وَإِنْ تَمَزَّقَتْ أَشْرِعَةُ اللِّقَاءِ عَلَى صُخُورِ المَسَافَاتْ.
وَبِصَهْدِ هَجْرِكَ العَنِيدِ.. كَمِ اكْتَوَى!
يَذُوبُ شَمْعاً فِي زَوَايَا التَّرَقُّبْ،
وَفِي صَحَارِي سَرَابِ إيَابِكَ المَوْهُومِ.. ارْتَوَى،
يَشْرَبُ الوَهْمَ نَمِيرًا،
وَيَحْسَبُ سَرَابَ الرَّجْعَةِ مَاءً زُلالاً.
يَمُرُّ العُمْرُ بِهِ وَهُوَ قَابِعٌ فِي مَكَانِهِ،
يُغَازِلُ الرِّيحَ لَعَلَّهَا تَحْمِلُ نَفْحَةً مِنْ ثِيَابِكْ.
مَعَ كُلِّ هَذَا الإعْصَارِ العَاتِي..
لا تَابَ هَذَا القَلْبُ.. وَلا نَوَى!
لا تَرَاجَعَ عَنْ عِشْقِهِ، وَلا اسْتَغْفَرَ مِنْ ذَنْبِ الحَنِينْ.
سَيَظَلُّ حَرْفًا يَدُورُ فِي فَلَكِكَ،
يَمُوتُ صَبَابَةً، وَيَحْيَا بِالذِّكْرَى،
فَمَا كَانَ الهَوَى عِنْدَهُ نَزْوَةً..
بَلْ كَانَ نَبِيَّاً.. وَالحَرْفُ تَنْزِيلُهْ!
نبأ البشيري