معلقة؛ من ظلام الجاهية إلى نور الرسالة
الفصل الخامس ؛ غار حراء...وبداية نور الرسالة
مقدمة وجدانية
كان الليل ثقيلا فوق مكة
نامت الأصنام في مواضعها ، وسكنت الأسواق، وانتطفأت نيران الخيام ، وهدأت أصوات القوافل التي كانت تأتي وتغادر ، بينما بقيت السماء وحدها مفتوحة على سر لا يعرفه اهل الأرض .
وفي مكان بعيد عن ضجيج الناس ، كان رجل يختلي بنفسه .
لم يكن يبحث عن مجد دنيوي، ولا عن مال يجمعه ، ولا عن سلطان يرفع إسمه بين القبائل.
كان قلبه يتأمل
كانت مكة من تحته تضج بعالم يعيد الحجر ، ويقدس العصبية، ويأكل القوي فيه حق الضعيف، بينما كانت روحه تتجه إلى الحق الذي لا تدركه الأبصار .
هناك في غار حراء بدأ فصل جديد .
فما كان الصمت صمتا عابرا ، ولا كانت الخلوة هروبا من الحياة، بل كانت تهيئة لرسالة ستخرج من ذلك المكان الصغير لتملأ الدنيا نورا .
ثم جائت اللحظة التي إنتظرها التاريخ.
لحظة لم تكن كسائر اللحظات .
جاء جبريل عليه السلام بالوحي، وجاء الأمر الذي سيوقظ أمة كانت غارقة في سبات الجهل.
إقرأ
من كلمة واحدة بدأ الطريق .
بدأت رحلة القرٱن ، وبدأت معها رحلة تحرير العقل من الجهل، والقلب من الوثن، والإنسان من عبودية الإنسان .
لم يكن الفجر يومها ضوءا في السماء فحسب .
كان نورا في الإنسان .
ابيات الفصل
تعالى ليل مكة وهو صامت
وفي أفقه سر من الله مقبل
وغار حراء في الجبل كأنه
يعيد لفجر في الزمان منازل
هناك قلب قد تخلى عن الهوى
وأصغى لصوت الحق وهو يسائل
يفكر في الخلق العظيم وسره
ويرفع للرحمن قلبا يناجل
وما كان يرجو من الحياة زخارفا
ولا كان يسعى للملك وهو يجاهل
لكن رأى في القوم ليل ضلاله
فأضناه أن يبقى الضلال يحاصل
فجاء أمين الوحي في ليل وحشة
وفي الليل أسرار لها الله يفعل
وقال؛ إقرأ فهتز الفؤاد من الهول
وفي الصدر بحر من الخشية يتزلزل
فأنزل رب العالمين نور وحيه
فأصبح في أرجاء مكة مشعل
وجاء الكتاب العظيم فأشرقت
به أرض قوم كان ليلهم أثقل
وصار لكل العقل باب له هدى
وصار لكل القلب في نوره منهل
وقال لهم إن الإله إلهكم
وإن سبيل الحق بالتوحيد أجمل
فلا حجر يرفع عن الناس ضرهم
ولا وثن يهدي ، ولا النجم ينزل
ولا مال فخر ، لا نسب ، لا قبيلة
تكون لميزان الكرامة أفضل
انما الإنسان بالتقى والهدى
وبالخلق حين الخلق يجمل
فأحيا بها قلب اليتيم ورحبت
بضعفاء قوم كان حقهم يهمل
وأكرم أما واحتوى كل ضعفة
وصان دموع المحروم حيث تستنزل
وأطلق في الأفق صوتا مباركا
يقول أخو الإنسان للإنسان يوصل
وكانت رسالات النبي محمد
رحيقا من الرحمات فيها تسلسل
فتحت ظلال الوحي ذابت عصبية
وصارت قلوب القوم بالحق تصطفل
وتحولت مكة من مهد ظلمة
إلى موقد للنور فيه التجمل
وما كان نور المصطفى لقبيلة
ولا كان حقا للعرب يتناول
ولكنه نور لكل بني الورى
ورحمة رب في البرية ترسل
خاتمة الفصل
خرجنا من غار حراء لكننا لم نخرج من النور .
فالكلمة التي نزلت هناك لم تكن مجرد بداية لكتاب، بل كانت بداية لتحول الإنسان.
من إقرأ بدأ طريق العلم .
ومن التوحيد بدأ تحرير الروح
ومن الأخلاق بدأت إعادة بناء المجتمع
ومن الرحمة بدأ ترميم ما هدمته العصبية
كان العالم القديم يسأل ؛ من الأقوى؟
وكانت الجاهلية تقيس الإنسان بماله ونسبه وقبيلته ،. فجاء الإسلام ليعيد للإنسان كرامته ، ويجعل ميزان التفاضل في التقوى والعمل الصالح .
وهكذا لم ينزل النور على مكة وحدها ؛ بل أخذ طريقه من قلب الجزيرة إلى الٱفاق .
لكن النور حين يظهر في أرض إعتادت الظلام ، لايمر بلا مقاومة .
فستقف قريش أمام الدعوة .
وسيتحول الخوف على الأصنام والمصالح إلى مواجهة.
وسيدأ المؤمنون الأوائل رحلة شاقة من الصبر والأذى والثبات.
ومن هنا ننتقل الى فصل جديد ؛
الفصل السادس ؛ الدعوة الأولى ... من همسات الخفاء إلى صرخة الحق .
التقيع الشعري؛
أنا إبن حرف إذا ما لامس الألم
نبض الحنين به، وارتد ملتهما
الكاتب والشاعر محمد علي باني/ تونس