الأحد، 9 أغسطس 2026

Hiamemaloha

معلقة العرق والحديد للشاعر محمد علي باني

 معلقة؛ العرق والحديد 


للكاتب والشاعر محمد علي باني 


مقدمة وجدانية 


ما أشبه الإنسان في رحلته بمسافر تبدلت به الأزمنة ، فغير مركبه ، ولم يكن ينبغي أن يغير قلبه.


كان إذا أرهقه الطريق مسح العرق عن جبينه ، ثم نظر إلى فرسه أو جمله أو ثوره، فرٱها تلهث من التعب كما يلهث،فتوقف  ليستريحا معا، ويقتسما جرعة الماء وظل الشجرة ، لم تكن الدابة ٱلة صامتة ، بل رفيقة سفر، وشريكة كدح، تحفظ الطريق كما يحفظها ، وتعرف  وقع خطاه كما يعرفه صهيلها أو حنينها.


ثم دارت عجلة الزمن ، وأقبل عصر الحديد والبخار ، ثم الكهرباء والمحركات ، فحلت الٱلة محل الحيوان في أكثر الأعمال . كان ذلك فتحا من فتوحات العقل ، وخطوة من خطوات الحضارة ، غير أن سؤالا بقي معلقا في ضمير الأيام ؛ 


هل إستبدل الإنسان وسيلته فقط ، أم فقد في الطريق شيئا من رحمته ووفائه ؟ 


ومن هذا السؤال ولدت هذه المعلقة ،


ليست خصومة بين الحيوان والٱلة ، فالٱلة ثمرة عقل الإنسان

فلا دعوة للرجوع إلى الوراء ، وإنما هي حوار رمزي بين الحصان والجمل والثور وسائر الدواب ، وبين الٱلة والإنسان، يبحث عن معنى الوفاء ، وعن قيمة الرفقة ، وعن تلك الخيوط الخفية التي كانت تربط المخلوقات بعضها ببعض، 


فقد تتفوق الٱلة في السرعة والقوة، ولكنها لا تتعب فتعرق، ولا تفرح بربتة يد، ولا تعرف معنى الصحبة. 


أما الحيوان فقد شارك الإنسان عرقه، وطريقه وصبره ، وراحته، حتى بقي اسمه شاهدا في قلب الحضارة ، فما زال الناس يقيسون قوة المحركات ب "الحصان ' وكأن التاريخ يهمس بأن فضل البدايات لا ينسى. 


وهذه المعلقة ليست رثاء لزمن مضى، بل دعوة إلى أن يبقى التقدم مقرونا بالرحمة وأن يظل الوفاء خلقا لا تلغيه الٱلات  ولا تطويه السنون.


نص المعلقة 


قفا نسأل الأيام أين رفاقنا 

وأين صهيل الخيل بعد الهدير؟


وأين جمال البيد كانت اذا سرت 

تقاسم إنسانا عناء المسير ؟ 


إذا عرق الإنسان سال جباهه 

وعرفت الدابات تحت الهجير 


فهذا يريح الكف ، تلك تريحها 

ظلال الغضا والماء بعد المسير 


وكانت يد الإنسان تمسح عرقها 

كم يمسح العرق الذي في النحور 


فما كان بين المرء والدابة التي 

تعينه إلى صادق التقدير 


تشاركه كدح الحياة فإن وهى 

توقف عنها رفقه في المسير 


فلما سكت ريح الطريق تنادت 

رفاق الدروب بلهفة المأسور 


أتى الحصن والإبل الكرام ، وثورها 

وحمار حمل صابر المقدور 


فقال الجواد أما تذكرون فتى 

كبرنا معه في الحل والتسيير ؟ 


إذا إشتد حر القيظ أرخى لجامه 

وأوردنا ماء غذب الغدير 


وكان إذا أعياه طول سفره 

رأيت جبينا عارقا بالعرور 


فأعرق مثل المرء لسنا حديدة 

لنا نبض قلب ولسنا صخور 


وقال الجمل ؛ كم قطعت مفاوزا 

أبدد وحش البيد عند المسير 


وما خنت عهدا ، بل حفظت مودة 

وكان جزائي الصبر طول الدهور 


وقال الثور؛ كم شققت تربة 

فأثمرت الأرض بألف بذور 


وقال الحمار؛ حملت عنه شقاءه 

وما قلت يوما قد مللت مسيري 


فقالوا جميعا؛ أين ذاك رفيقنا ؟ 

ولم إستبدل القلب والزئير ؟ 


فدوى دوي في الفضاء كأنه 

هدير حديد أقبل المسير 


فقالت ؛ أنا الٱلات جئت لخدمة 

أعين بني الإنسان وقت العسير 


حملت أثقالا ، وشققت مفازة 

وبلغت في يوم مدى الشهور 


ولست أنكر ان قبلي إخوة 

بهم قام ركن السعي منذ دهور 


فقال الجواد وابتسام إعتزازه ؛ 

رويدك ، ان الفخر غير غرور 


ألست تقاسين باسمي أنا؟ 

ومازال اسمي في الورى بظهور 


إذا قال قوم هذه الف قوة 

فإنهم عدوا خيولا تسير 


فقالت صدقت ، الفضل أصل ثابت 

وأنا غصن علم من الجذور 


فقال الجواد ليس فخري بقوتي 

ولكن بعهد صادق وضمير 


فإن كنت أسرع في الطريق فإنني 

علمت معنى الصبر قبل المسير 


فأطرق إنسان وقد بل مقلتيه 

حياء وفي صادق التذكير 


وقال أيا صحبي وما كنت جاحدا 

جميل رفاق الدرب عبر الدهور 


ركبت الجياد واستظللت بظلها 

وسرت مع الإبل طوال المسير 


وبالثور شققت الثرى متعبا 

فأهدت لنا الأرض خير البذور 


وكم حمل الحمار عني مشقة 

وما إشتكى يوما ثقال الظهور 


ولكن عصرا جاء يحمل ٱلة 

تعين على الأعمال دون فتور 


فما كان هجري للوفاء تنكرا 

ولا كنت أنسى فضل كل نصير 


ولكنني أمضيت أطلب قوة 

تخفف عن شيخ وعنا الصغير 


فقال الجواد ان حفظت مودة 

فلن يضيع العهد بين الصدور 


وقال الجميع إن خير حضارة 

تقيم بناء العلم فوق الضمير 


فمد الفتى كف الوفاء إليهم 

فمالت إليه أعين الحاضرين 


وربت فوق رأس ، رأس جواده 

فهاج صهيل الشوق بعد سكون 


وقال لكم فضل البدايات كلها 

بكم شق درب المجد منذ قرون 


ومن عرقكم قامت حضارات أمة 

ومن صبركم نال الورى كل تمكين 


فقالت حديدات الزمان تواضعا ؛ 

أنا غصن علم من جذور متين 


فلا خير في علم يميت مروءة 

ولا في ازدهار خال من حنين 


إذا نسي الإنسان فضل رفيقه 

تضاءل في عين الزمان يقيني 


فإن الحضارات تبنى بعقلها 

ولكنها تسمو بحسن أمين 


سلام على خيل الطريق وصبرها 

فأهدى سنابلها لكل سنين 


وسلام على الإنسان ما دام حافظا 

عهد الوفاء ، نقي القلب والدين 


فما المجد ان تمضي الحديد مسرعة 

ولكن بأن يبقى الوفاء قريني 


التوقيع؛ 


أنا إبن حرف إذا ما لامس الألم 

نبض الحنين به،  وارتد ملتهما 


محمد علي باني/ تونس 


.

Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :