معلقة من ظلام الجاهلية إلى نور الرسالة
الفصل العشرون والأخير
الجزء الثاني؛ حين يصبح الوعي بداية التغيير
مقدمة وجدانية
قد يعرف الإنسان نفسه، ثم يقف عند حدود المعرفة.
وقد يرى أخطاءه بوضوح، ثم يعود إليها كأن شيئًا لم يكن.
فالوعي ليس أن ترى الحقيقة فحسب، وإنما أن تسمح لها بأن تغيّر شيئًا فيك.
كم من إنسانٍ يعرف أن طريقه خاطئ، لكنه يواصل السير فيه لأن الرجوع يحتاج إلى شجاعة.
وكم من إنسانٍ يدرك أن بعض عاداته تؤذيه، لكنه يتمسك بها لأنها أصبحت جزءًا من يومه.
وكم من إنسانٍ يرى ما يحدث حوله، لكنه لا يسأل نفسه: ما دوري فيما يحدث؟
وهنا يظهر الفرق بين المعرفة والوعي.
المعرفة قد تمنح الإنسان معلومة، أما الوعي فيمنحه موقفًا.
المعرفة تقول لك: هذا خطأ.
أما الوعي فيسألك: ماذا ستفعل بعدما عرفت أنه خطأ؟
المعرفة تفتح الباب، لكن الوعي هو الذي يدفع الإنسان إلى عبوره.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يجهل الحقيقة، بل أن يعرفها ثم يتعايش مع نقيضها.
فالوعي الحقيقي لا يكتفي بإضاءة العقل، وإنما يمتد إلى السلوك، وإلى الاختيار، وإلى طريقة النظر إلى النفس والناس والحياة.
حين يصبح الإنسان واعيًا، لا يعود يسأل فقط:
ماذا يحدث؟
بل يبدأ بالسؤال:
لماذا يحدث؟ وما دوري فيه؟ وماذا أستطيع أن أفعل؟
وهنا تبدأ المسؤولية.
القصيدة
وعيُ الفتى نورٌ إذا مسَّ قلبَهُ
أراهُ من دربِ الحياةِ خفايا
فليسَ الذي يدري الحقيقةَ عارفًا
إذا ظلَّ يمضي في طريقِ خطايا
وما العلمُ إن لم يستقمْ في سلوكِنا
ولم يجعلِ الإنسانَ أصدقَ ساعيا
عرفتَ طريقَ الخيرِ، فاخترْ سبيلَهُ
ولا تجعلِ الأعذارَ فيهِ موانعا
وعرفتَ دربَ الشرِّ، فاحذرْ ظلالَهُ
فكم خطوةٍ صغرى أورثتْك متاعبا
إذا أبصرَ الإنسانُ عيبًا بنفسِهِ
فأصلحَهُ، صارَ الوعيُ فيهِ منابعا
وإنْ أدركَ الإنسانُ قدرَ زمانِهِ
فلن يتركَ الأيامَ تمضي سدىً
سيقرأُ في أحداثِ عمرِهِ درسَهُ
ويرى وراءَ الظاهرِ المتخفّيا
ويعلمُ أن الناسَ ليستْ سواءَهم
وأنَّ اختلافَ الخلقِ ليسَ عداوةً
ويعرفُ أن العقلَ ليسَ أداةَ خصمٍ
ولكنْ جسرُ فهمٍ، إن أرادَ هدايةً
فيا نفسُ، إن أبصرتِ الحقَّ فاتبعي
فليسَ الوعيُ قولًا، بلِ الفعلُ شاهدا
خاتمة الجزء
وهكذا يصبح الوعي مرحلةً جديدةً في حياة الإنسان.
فحين يرى نفسه والعالم من حوله بوضوح، تتغير أسئلته، وتتغير معها اختياراته.
لا يعود ضحيةً لكل ما يحدث، ولا أسيرًا لكل عادةٍ ورثها، ولا تابعًا لكل فكرةٍ سمعها.
يبدأ بالتفكير قبل أن يحكم، وبالفهم قبل أن يرفض، وبالسؤال قبل أن يصدق، وبالمراجعة قبل أن يكرر.
وهنا يصبح العقل شريكًا في صناعة الحياة، لا مجرد شاهدٍ عليها.
فالإنسان الواعي لا يعني أنه لا يخطئ، بل يعني أنه يستطيع أن يرى خطأه، وأن يتعلم منه، وأن يمنع الخطأ من أن يتحول إلى قدرٍ دائم.
ومن هنا تتولد حقيقة أخرى:
الوعي الذي لا يبحث عن المعرفة يظل ناقصًا، والمعرفة التي لا تقود إلى المسؤولية قد تتحول إلى عبء.
فإذا استيقظ العقل، كان عليه أن يتعلم.
وإذا اتسع الوعي، وجب أن تتسع المسؤولية.
وهنا نصل إلى السؤال التالي:
إذا كان الوعي يفتح أعين الإنسان، فماذا يفعل بالعلم الذي يكتسبه؟ وهل يكفي أن نعرف، أم أن العلم نفسه يصبح مسؤولية؟
تمهيد للجزء التالي
حين يستيقظ الوعي، يبدأ الإنسان في النظر إلى العلم نظرةً مختلفة.
فالعلم ليس كثرةَ معلوماتٍ تحفظها الذاكرة، ولا قدرةً على الحديث في كل شيء، وإنما قدرةٌ على فهم الأشياء، ووضعها في مواضعها، واستخدام المعرفة فيما ينفع الإنسان والحياة.
ومن هنا تبدأ مرحلة جديدة من الرحلة:
الجزء الثالث: حين يتحول العلم إلى مسؤولية.
الكاتب والشاعر محمد علي باني / تونس