تسابيح الاحتقار
ما أغربَ الإنسانَ حينَ يرى الورى
درجًا، ويرفعُ فوقَهم أسوارْ
يمشي كأنَّ الكونَ ملكُ يديه
وكأنَّ غيرَهُ خُلِقَ للاحتقارْ
يُعطي لنفسِهِ مقامًا فوقَنا
ويظنُّ أنَّ الكِبرَ عينُ الانتصارْ
يقولُ: أنا أعرفُ، وأنتمُ لا
وكأنَّ علمَ الكونِ فيهِ يُدارْ
يا صاحبي، مهلاً، فكم من جاهلٍ
لبسَ الثقافةَ ثمَّ عاشَ بغرورْ
وكم ادّعى علمًا، فلمّا سُئلَ
ظهرَ الفراغُ وراءَ ذاكَ الستارْ
أنا لا ألومُ الجاهلَ إن جهلَ
فالجهلُ يبدأُ حينَ يرفضُ الاعتذارْ
لكنَّني أخشى الذي يدري قليلًا
ثمَّ يجعلُ من غرورهِ انتصارْ
ما قيمةُ العلمِ الذي لا يجعلُ
في قلبِ صاحبهِ رحمةً واحترامْ؟
ما قيمةُ الكتبِ التي في رفِّهِ
إن كان يقرأُ ثمَّ يزدادُ احتقارْ؟
العلمُ ليسَ كثرةَ الأوراقِ في
رفٍّ، ولا حفظَ الكلامِ بلا حوارْ
العلمُ أن تعرفَ حدودَكَ، وأن
تدري بأنَّ العلمَ بحرٌ لا قرارْ
أنا لا أقولُ بأنني أعرفُ كلَّ ما
في الكونِ، بل أقولُ: إنّي في مسارْ
أبحثُ، وأسألُ، ثمَّ أراجعُ فكرتي
فالحقُّ أكبرُ من غروري والقرارْ
لا تظنَّ أني حينَ أصمتُ عاجزٌ
فالصمتُ أحيانًا فلسفةُ الكبارْ
قد أستمعُ إليكَ كي أفهمَ ما تقولُ
لا كي أصفّقَ للحديثِ بلا حوارْ
وقد أراكَ مخطئًا، لكنني
لا أستبيحُ كرامةَ الإنسانِ فيكَ باحتقارْ
أختلفُ معكَ في الرأيِ، ثمَّ أتركُهُ
فلكلِّ عقلٍ في الحياةِ لهُ مسارْ
فالفكرُ ليسَ سكينَ قاتلِ صاحبٍ
والرأيُ ليسَ وسيلةً لإشعالِ نارْ
يا من تُسبِّحُ كلَّ يومٍ بالغرورْ
وتعدُّ احتقارَ الناسِ عينَ الانتصارْ
ماذا ستفعلُ حينَ تسقطُ صورتُكَ
وتعودُ مثلَ الناسِ دونَ ستارْ؟
ماذا ستفعلُ حينَ يسقطُ منصبٌ
ويغيبُ عنكَ المادحونَ بلا اعتذارْ؟
من أنتَ دونَ اللقبِ الذي تفتخرُ بهِ؟
من أنتَ دونَ المالِ والأضواءِ والدارْ؟
هل تستطيعُ أمامَ نفسك ساعةً
أن تسألَ النفسَ: أينَ أنا من المسارْ؟
هل تعرفُ الإنسانَ في أعماقِكَ
أم عشتَ عمركَ تبحثُ عن معنى انتصارْ؟
تُهينُ هذا لأنَّ لونَهُ مختلفٌ
وتزدري ذاكَ لأنَّ أصلهُ من ديارْ
وتضحكُ من هذا لأنَّ كلامَهُ
ليسَ الكلامَ الذي تعوّدتَهُ في النهارْ
وتحتقرُ ذاكَ لأنَّ ثيابَهُ
ليستْ على مقاسِ ذوقِكَ والقرارْ
أيُّ جنونٍ أن نزنَ الناسَ بما
لبسوا، وننسى جوهرَ الإنسانِ والآثارْ؟
الناسُ ليست لونَ جلدٍ أو نسبْ
ولا المظاهرُ تصنعُ الإنسانَ والوقارْ
الإنسانُ أخلاقٌ، فإذا سمتْ
رفعتهُ أخلاقُهُ فوقَ الديارْ
وقد ترى صاحبَ القصورِ مكبّلًا
بالخوفِ، يسكنُ قصرَهُ مثلَ الأسيرْ
يخشى سقوطَ التاجِ فوقَ رأسِهِ
ويعيشُ طولَ العمرِ خلفَ جدارْ
وأرى فقيرًا لا يملكُ غيرَ قلبِهِ
لكنَّهُ يمشي عزيزًا كالنهارْ
فالغنى ليسَ بما تملكُ من ذهبٍ
والفقرُ ليسَ بما يحيطُ بكَ من غبارْ
أنا لا أكرهُ من يراني مختلفًا
ولا أريدُكَ أن تكونَ ليَ استنساخَ أفكارْ
أنا ليَ رأيي، وأنتَ لكَ رأيُكَ
والاختلافُ طبيعةُ الأحرارْ
لكنْ إذا صارَ اختلافُكَ سُبَّةً
وصارَ رأيي عندكَ سببَ احتقارْ
فالمشكلةُ ليستْ في أفكارِنا
لكنْ في قلبٍ أغلقَ أبوابَ الحوارْ
أنا لا أريدُ العالمَ نسخةَ صورتي
ولا أريدُ الناسَ تمشي في مساري باختيارْ
أريدُ عقلًا يسألُ العقلَ: لماذا؟
وقلبًا إذا اختلفَ معي يحفظُ الجوارْ
أريدُ إنسانًا يقولُ: أختلفُ معكَ
لكنَّني أحفظُ لكَ حقَّ الحوارْ
فالحبُّ ليسَ موافقةً عمياءَ، بل
أن نحفظَ الإنسانَ رغمَ الاختيارْ
لقد تعبتُ من الذينَ يرفعونَ أنفسَهم
حتى يروا غيرَهم صغارًا كالغبارْ
تعبتُ من لغةِ التعالي حينَ تصبحُ
مذهبًا، ويصبحُ التواضعُ عارْ
تعبتُ من قومٍ إذا قلتَ الحقيقةَ
قالوا: ومن أنتَ حتى تختارْ؟
وكأنَّ حقَّ الكلامِ حكرٌ على
من يملكُ المالَ والمناصبَ والقرارْ
وكأنَّ الفقيرَ لا يملكُ فكرةً
وكأنَّ البسيطَ لا يملكُ اختيارْ
وكأنَّ صاحبَ الشهادةِ فوقَنا
وكأنَّها تمنحهُ حقَّ احتقارْ
لا يا صديقي، العلمُ إن لم يزرعِ
خلقًا، فليسَ سوى قناعٍ مستعارْ
والثقافةُ إن منعتكَ من سماعِ من
يخالفُ رأيكَ، فهي سجنُ الأفكارْ
والفلسفةُ التي لا تسألُ نفسَها
قبلَ السؤالِ عن الآخرينَ، هي انكسارْ
أنا لا أحتاجُ الصراخَ لأثبتَ أنني
موجودٌ، ولا الإهانةَ كي أعلوَ مقدارْ
يكفينيَ أن أعرفَ نفسي، وأن
أبقى أمينًا للفكرةِ مهما دارَ الحوارْ
وأقولُ إن أخطأتُ: نعم، أخطأتُ، لا
أخشى اعترافًا يُنقذُ الفكرَ من العارْ
فيا من جعلتَ الاحتقارَ تسبيحةً
ترددُها في الليلِ، في وضحِ النهارْ
انتبهْ، فربَّ الذي تحتقرُهُ
يحملُ من الفكرِ ما لا تعرفُهُ أنتَ من أسرارْ
وربَّ صامتٍ ظننتهُ جاهلًا
كانَ اختصامُهُ مع الحياةِ ألفَ حوارْ
وربَّ بسيطٍ لم يملكْ شهادةً
لكنَّهُ عرفَ الحقيقةَ والوقارْ
فالإنسانُ لا يكبرُ بإذلالِ الورى
ولا يُقاسُ بعظمةِ الألقابِ والدارْ
يكبرُ حينَ يحترمُ الإنسانَ في
إنسانيتهِ، ويتركُ بابَ الاختيارْ
وهنا، حينَ ينتهي كلُّ الكلامْ
وتسقطُ الأقنعةُ، وينكشفُ الستارْ
حينَ يعودُ المرءُ وحدَهُ إلى
نفسِهِ، بعيدًا عن تصفيقِ النهارْ
سيسألُ النفسَ التي طالَ غرورُها:
هل كنتُ إنسانًا، أم أسيرَ انتصارْ؟
هل كنتُ أبحثُ عن الحقيقةِ، أم
كنتُ أبحثُ عن احتقارِ الآخرينَ بافتخارْ؟
أما أنا فسأظلُّ مختلفًا،
وأناقشُ، وأكتبُ، وأرفضُ الانكسارْ
لن أبيعَ العقلَ من أجلِ جماعةٍ
ولن أبدّلَ قناعتي لأجلِ تصفيقٍ عابرْ
أنا محمدُ، وليَ رأييَ،
ولك الرأيُ، ولكلِّ إنسانٍ اختيارْ.
إن أقنعتني بالحجةِ غيّرتُ ما
أعتقدُهُ، فالحقُّ أولى بالقرارْ
وإن لم تقنعني، اختلفتُ معكَ
دونَ الكراهيةِ ودونَ الانتصارْ
أما أن تريدَني نسخةً منكَ
فذاكَ ليسَ حوارَ أحرارْ
ذاكَ عبوديةُ فكرٍ، وأنا
أرفضُ أن أحيا أسيرَ الأفكارْ
فلا تجعلوا الاختلافَ سببَ عداوةٍ
ولا تجعلوا العلمَ سلّمَ احتقارْ
فالذي يصعدُ فوقَ الناسِ متكبرًا
قد يسقطُ يومًا من علوِّه في غبارْ
ويبقى بعدَ الموتِ ما صنعتْ يداهُ
إمّا محبةُ قلبِهم، أو ألفُ عارْ
وأنا أقولُها، لا خوفَ عندي من
أن أكونَ مختلفًا بينَ الأحرارْ
أحترمُ الإنسانَ، وأرفضُ فكرَهُ
إن خالفَ الحقَّ، دونَ ظلمٍ أو احتقارْ
فالحقيقةُ لا تحتاجُ سيفًا كي تُرى
ولا تحتاجُ إلى أصواتِ الانتصارْ
يكفي أن يكونَ العقلُ صادقًا
والقلبُ يعرفُ قيمةَ الإنسانِ والوقارْ
أنا لا أحتقرُ الذي يختلفُ معي،
لكنني أحتقرُ احتقارَ الإنسانِ للإنسان.
— بقلم محمد عربي – الجزائر