الخميس، 24 سبتمبر 2026

Hiamemaloha

معلقة من ظلام الجاهلية إلى نور الرسالة الفصل العشرون للشاعر محمد علي باني

 معلقة من ظلام الجاهلية إلى نور الرسالة

الفصل العشرون والأخير


الجزء الأول: حين يكتشف الإنسان نفسه


بعد أن يطوف الإنسان طويلًا بين صفحات التاريخ، ويتأمل ما صنعه الذين سبقوه، وما تركوه من أمجادٍ وتجاربَ وأسئلة، يأتي يومٌ لا يعود فيه قادرًا على الهروب من السؤال الأقرب إليه:


من أنا؟


ليس السؤال عن الاسم الذي نحمله، ولا عن المكان الذي وُلدنا فيه، ولا عن العائلة التي ننتمي إليها، ولا عن المكانة التي منحنا إياها الناس.


إنه سؤالٌ أعمق من ذلك كله.


من أنا حين تسقط عني الأسماء؟

من أنا حين لا يبقى حولي من يصفني؟

من أنا حين أقف أمام نفسي، لا أمام الناس؟


فقد يعرف الإنسان طريقه في الحياة، لكنه لا يعرف دائمًا إلى أين يمضي. وقد يجمع من العلم ما يكفي لشرح العالم من حوله، ثم يعجز عن تفسير ما يحدث في أعماقه.


وقد يقضي عمره يبحث عن النجاح، ثم يكتشف في لحظةٍ متأخرة أنه كان يطارد شيئًا لم يكن يعرف لماذا يريده.


إن اكتشاف الإنسان لنفسه ليس رحلةً إلى الماضي فقط، بل رحلةٌ إلى أعماق الحاضر؛ إلى ذلك المكان الذي تتشكل فيه النية، ويولد فيه القرار، وتتنازع فيه الرغبة والضمير.


هناك، بعيدًا عن ضجيج الآخرين، يبدأ الإنسان في رؤية نفسه كما هي، لا كما يريد أن يراها.


وهنا يبدأ التحول الحقيقي.


فمن عرف ضعفه، عرف أين يحتاج إلى القوة.

ومن عرف جهله، عرف أين يبدأ طلب العلم.

ومن عرف أخطاءه، امتلك أول مفاتيح إصلاحها.

ومن عرف غايته، لم تعد خطواته مبعثرةً في الطريق.


إن الإنسان لا يبدأ بناء نفسه حين يكتشف أنه كامل، بل حين يعترف بأنه ما زال في حاجةٍ إلى أن يتعلم وينضج ويتغير.


وهنا يصبح السؤال:


هل نعرف أنفسنا حقًا، أم أننا أمضينا أعمارنا في معرفة كل شيءٍ إلا أنفسنا؟


القصيدة


وقفتُ يومًا أمامَ النفسِ أسألُها

من أنتِ؟ قالتْ: أنا سرٌّ من العِبَرِ


لستُ اسمَكَ المرسومَ فوقَ هويتِكَ

ولا مكانَكَ بينَ الناسِ في البشرِ


أنا الذي حينَ تخلو النفسُ من أحدٍ

يبقى معك، لا يخفى في مدى الفكرِ


أنا الذي بينَ خوفِ القلبِ أبحثُ عن

دربِ اليقينِ، وأمضي رغمَ ما أجدُ


إنْ كنتَ تجهلُ ضعفَ النفسِ فيكَ، فما

أدراكَ أينَ يكونُ العزمُ والظفرُ؟


فاعرفْ خفاياكَ، لا تهربْ من ذاتِكَ

فربَّ عيبٍ إذا أبصرتَهُ اندثرُ


وربَّ جرحٍ سكنَ الأعماقَ من زمنٍ

إذا واجهتَهُ بالصدقِ قد يبرأُ


وربَّ حلمٍ دفنتَهُ في جوانحِكَ

يحتاجُ منك إلى إيمانِكَ كي يظهرُ


فالمرءُ يبدأُ دربَ النضجِ حين يرى

نفسًا تحتاجُ إلى تهذيبِها فتنمو


ومن عرفَ النفسَ لم تأخذهُ غفلةٌ

وصارَ يمضي إلى غاياتِهِ ببصرِ


خاتمة الجزء


وهكذا لا يبدأ التغيير الحقيقي حين يتغير العالم من حول الإنسان، بل حين يتغير شيءٌ في نظرته إلى نفسه.


فالذي لا يرى عيوبه سيظل يبحث عن أخطاء الآخرين، والذي لا يعرف غايته قد يمضي طويلًا في طريقٍ لا يريده، والذي يخاف مواجهة نفسه قد يقضي عمره في بناء صورةٍ أمام الناس، بينما تبقى الحقيقة بعيدةً عنه.


إن معرفة النفس ليست نهاية الطريق، بل بدايته.


فحين يكتشف الإنسان ذاته، تبدأ أمامه رحلةٌ أخرى:


أن يفهم ما الذي يحتاج إلى تغييره، وما الذي ينبغي أن يحافظ عليه، وما الذي يستطيع أن يكونه إذا صدق مع نفسه.


وهنا ننتقل إلى السؤال التالي:


هل يكفي أن يعرف الإنسان نفسه، أم أن المعرفة لا تصبح قوةً إلا حين تتحول إلى وعي؟


تمهيد للجزء الثاني


قد يرى الإنسان نفسه بوضوح، ثم يعود إلى عاداته القديمة.


وقد يعرف الحقيقة، ثم يختار تجاهلها.


لذلك فإن اكتشاف الذات لا يكفي وحده؛ فالخطوة التالية هي أن يتحول هذا الاكتشاف إلى وعيٍ يغيّر طريقة النظر إلى الحياة.


ومن هنا ننتقل إلى:


الجزء الثاني: حين يصبح الوعي بداية التغيير.


التوقيع الشعري 


أنا إبن حرف إذا ما لامس الألم 

نبض الحنين به، وارتد ملتهما 


الكاتب والشاعر محمد علي باني 

الجمهورية التونسية


Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :