غداََ سأكتب قصيدتي
بقلم
السفير عبدالصاحب أميري
عبدالصاحب الأميري
& & & & & &
غدًا سأكتب قصيدتي...
غدًا، يوم آخر من العمر،
أم أنّ العمر كلَّه معلّقٌ بين أمسٍ مات، وغدٍ لم يولد بعد؟
غدًا... قد لا يكون كسائر الأيّام، فربّما كانت الأيّام مجرّد أسماءٍ نطلقها على انتظارنا،
وربّما كان الغد اختراعَ العشّاق حين عجزوا عن الوصول فاخترعوا زمنًا آخر يليق باللقاء.
لا أدري...
غدًا، سأكتب لكِ قصيدتي.
قصيدةَ رجلٍ عاشق،
طوى بلاد العرب حافي القدمين، يمشي وراء سرابٍ يسمّيه "ليلى"، كقيسٍ حين لم يعد يعرف أين تنتهي الصحراء وأين يبدأ الجنون.
ينادي:
يا ليلى... أأنتِ خُلقتِ فعلًا؟
أم أنّك ما زلتِ في المهد، تأنّين من غياب رجلٍ لم تعرفيه بعد؟
هل تسألين عن قيس؟
هل تنتظرين خطاه على باب طفولتكِ؟
متى سيأتي؟
وأنا... متى أصل؟
قصيدتي لن يكون لها قرطاس.
قرطاسها جلدي،
وحبرها دمي،
ونقطها نزيف قلبي.
لحنها آهاتي،
وموسيقاها بكائي،
وقافيتها ذلك الصراخ القديم الذي أخفيته طويلًا كي لا يسمعه أحد.
سأكتبها لا بقلم، بل بما تبقّى مني.
سأكتبها حتى إذا انتهيتُ منها لم يبقَ مني إلا رجلٌ يعرف لماذا أحبّ،
ولا يعرف لماذا تأخّر اللقاء.
أخبرني بالله عليك...
غدًا، متى يأتي؟
متى سيطرق بابي بيدٍ لا ترتجف؟
أم أن الغد لن يخطو خطوةً واحدة؟
أم سيظل واقفًا عند آخر حدود الزمن،
ينظر إليّ وأنا أنظر إليه، ولا أحدٌ منا يجرؤ على الاقتراب؟
لقد اخترق الخوف جسدي، وداعب عقلي بأسئلةٍ لا تنام.
يا إلهي...
أخشى أن يكون الغد قد سقط في الجبّ،
وأن الذئاب سبقتني إليه.
أخشى أن أستيقظ ذات صباح فلا أجد غدًا.
لا غدَ بعد اليوم.
إلا...
إلا إذا نجا الغد من الموت،
وخرج من الجبّ وحيدًا، مبللًا بالخوف، لكنه حيّ.
عندها فقط سأصدّق أن الزمن لا يموت،
وأن ما نسمّيه انتظارًا ليس إلا طريقةً أخرى ليقول لنا الوجود:
"ليس الآن."
وسأبوح لكِ بسرّ...
سرٍّ حفظته في ذاكرتي حرفًا حرفًا، كمن يخشى أن تضيع منه آخر حقيقة.
يا فتاتي...
إن أردتِ أن تريني، فلا تبحثي عن صورتي في المرآة.
ابحثي عن صفاتكِ في صفاتي.
إن أردتِ أن تعرفي معنى الصبر...
فأنا الصبر.
وإن أردتِ أن تعرفي كيف يمكن لقلبٍ أن يحمل امرأةً لم يرها بعد...
فانظري إلى عروقي.
حبكِ يجري فيها، منذ زمنٍ لم تلتقي فيه عيناي بعينيكِ، ومنذ كان قلبي يعرفكِ قبل أن يعرف وجهكِ.
ولعل هذه هي الحكاية كلها:
أن يحبّ الإنسان ما لم يره، وأن ينتظر من لم يصل، وأن يؤمن بغدٍ لم يولد بعد.
غدًا...
غدًا سأقرأ لكِ قصيدتي.
فإن وصلتِ قبلها، فستعرفين أنني لم أكن أكتب عنكِ...
كنتُ أكتب لأصل إليكِ.
وإن لم تصلي...
فسأظل أقرأها للغد،
لعلّه هذه المرة يطرق بابي.
ولعلّه، قبل أن يرحل، يقول لي:
كنتُ قادمًا منذ البداية...
لكنّك كنتَ تستعجل الوصول.
بقلم
السفير عبدالصاحب أميري
عبدالصاحب الأميري
العراق