مَن طرق بابي؟
بقلم
السفير عبدالصاحب أميري
عبدالصاحب الأميري
------------
مَن هذا الذي طرق بابي
فانتزع النومَ من جفوني،
وأيقظ في صدري حنينًا إلى أحبابي؟
أولئك الذين لا أراهم
إلا بين حينٍ وآخر،
حين يشتدّ الشوق،
فتفتح الذاكرة أبوابها،
وأزورهم في المنام.
مَن؟
أترى هي صافرةُ الحارس الليلي،
تشُقُّ سكونَ المدينة؟
أم هو مؤذّنُ الفجر،
ينادي الأرواحَ إلى الصلاة؟
مَن؟
نهضتُ من فراشي،
نظرت حولي...
لا أحد.
لا ظلّ عند الباب،
ولا خطى في الممر،
ولا صوتَ سوى صمتٍ
كان أثقلَ من الكلام.
قلتُ:
لعلّها حبيبةُ العمر...
لعلّها عادت من السفر.
فمنذ قليلٍ
كنّا نمشي على ضفاف الفرات،
نقتسم الماءَ والذكريات،
ونترك للريح أن تحمل
ما عجزنا عن قوله.
ثم...
طرق المجهول بابي.
فتحتُ عينيّ،
فلم أرَ أحدًا.
لم أجد سوى قلمي،
ومحبرتي،
وقرطاسي...
وعندها أدركتُ.
مَن؟
لا أحد.
لقد بقي الشعر.
ذلك الصديقُ القديم،
صديقُ العمر،
الذي يعرف مواضعَ ضعفي،
ويحفظ شقوقَ قلبي
كما يحفظ الشاعرُ قصيدته.
يقترب مني في عتمة الليل،
ويهمس في أذني
كلما سمع بمأساة قومي:
«هنا وجعُك...
وهنا وطنُك...
وهنا أولئك الذين
لا صوتَ لهم.»
شكواهم همّي،
وبكاؤهم يؤرقني،
وحزنهم
إذا اخترق سمعي
اضطربت في صدري العواصف،
وجنّ جنوني.
كيف أنام
وفي بلادي من يئنّ؟
كيف أغمض جفني
وهناك قلبٌ مكسور
ينتظر من يسمعه؟
كيف أستريح
والإنسانُ المستضعف
يبحث عن يدٍ
تمتدّ إليه
قبل أن يسقط؟
الشعر يعرف ذلك كله.
يعرف أنني
ما جعلته زينةً للكلام،
ولا ترفًا على هامش الحياة؛
بل جعلته شاهدًا،
وصوتًا،
وقلبًا آخر
ينبض حين يتعب قلبي.
يعرف أنني نذرت نفسي
لوطني،
لقومي،
ولكل من طرق بابي
مستغيثًا،
أو طالبًا معروفًا،
أو باحثًا عن فسحةٍ
من رحمةٍ
في هذا العالم الفاني.
لهذا...
كلما سمعت طرقًا على بابي
لا أسأل كثيرًا:
مَن الطارق؟
فأنا أعرفه.
إنه الشعر.
جاء ليوقظني
حين ينام الآخرون،
ويذكّرني
بما نذرتُ له قلبي.
ها هو يطرق من جديد...
طرقًا خافتًا،
لكنّه يهزّ أعماقي.
لا بدّ أنه الشعر.
عذرًا أيها النوم...
سأفتح.
فربما خلف الباب
قصيدةٌ تنتظر أن تولد،
أو وجعٌ يبحث عن صوت،
أو وطنٌ
يناديني
بقلم
السفير عبدالصاحب أميري
عبدالصاحب الأميري
العراق