خيط دخان ...
تدلّى على السطح خيط هزيل
يغازل رياضا بلا نرجس
يجرّ وراء الغيوم القفار
وصوت المرايا بلا همس
كأنّ الوعود تباع غدا
وتشترى بالهتاف وباللمس
كأنّ الحقيقة زورق طين
يذوب إذا لاح ضوء الشمس
خيوط الدخان تصوغ الجدار
وتكتب مرثية المجلس
وتحمل أسماء قوم مضوا
تساقط حرفهم المندسّ
على طاولة من غبار قديم
وكرسيّ سلطانه مفلس
ينادون عدنا إلى العدل صبرا
فما عاد للعدل من حارس
ويضحك موت بباب الحكايا
يردّد قد جئت كالأنس
فأين القلوب إذا ضاع نور
وأين العيون بلا مرقد ؟
يعلّق جائعه لافتات
هنا الخبز أرخص من الأنفس
وينفخ طفل غبار اللّعاب
على جرحه الفاغر الأفقر
أما الشيخ يمشي بثوب رث
يبيع وصايا بلا مرجع
أما التجّار فقد زيّنوا
رفوفا من الصمت في المخزن
فلا السوق يعرف أين النهاية
ولا البائعون متى يفلسوا
ويبقى خيط الدخان يدور
يعلّق أوهامهم فوق رأس
ويغدو شعارا بلا أيّ معنى
وصرخة جيل بلا مؤنس
كأنّ المكان على ميّت
يزيّن بالزهر والقدّس
كأنّ الزمان على ساعـة
تدور ولا تفلت النّحس
يطوف الدخان على الحافلات
وينشر أحلامه في المحطّة
ويجلس فوق الوجوه الرتيبة
يسجّل أسماءهم بالنقطه
كأنّ الوجوه مرايا مشوّهه
لا ترى غير ظل وصوته
تكدّست الأكفان مثل القماش
وباعوا الضمير بثمن زهيد
وصار التباهي تجارة عصر
وصار النفاق هو المستفيد
ينادى هنا تشترى القيم
ويردّد صوت هل من مزيد ؟
فما عاد من خيطهم غير وهم
وما عاد من عهدهم غير عيد
وفي آخر المسرح المزدحم
تدلّى الستار على قافيه
فلم يبق إلّا دخان ضعيف
يخاطب أرواحنا الخائفه
يقول أنا الوعد لا تنسني
أنا حارس الأحرف السائبه
أنا سخرية الموت في مهده
أنا حكمة النار إذ غابت
ويبقى الدخان خيوطا من الوهم
تعلّق في الريح عائمه ...
بقلم : معز ماني . تونس .