الأربعاء، 7 أكتوبر 2026

Hiamemaloha

معلقة الحدود التي فرقت الشعوب للكاتب محمد علي باني

 معلّقة الحدود التي فرّقت الشعوب

المقدمة


لم تكن الأرضُ يومًا تعرفُ أسماءَ الذين يمشون فوقها.


كان الترابُ ترابًا،

وكانت السماءُ سماءً،

وكان النهرُ يمضي في طريقه

دون أن يسأل الماءَ عن اسم البلاد التي يعبرها.


كانت الشمسُ تشرقُ على الجميع،

وتسكبُ ذهبَها فوقَ البيوتِ والحقولِ والجبالِ،

لا تميّزُ بين قريةٍ وقرية،

ولا بين إنسانٍ وآخر.


وكانت الريحُ إذا مرّت فوق شجرةِ زيتونٍ

حملت عطرَها إلى مكانٍ بعيد،

ثم عادت تحمل من ذلك المكان

رائحةَ خبزٍ أو قمحٍ أو مطر.


هكذا كانت الأرض...


واسعةً في عين الإنسان،

قبل أن تصغرها الخرائط.


ثم جاء يومٌ

وأمسك الإنسانُ بالقلم،

ووضع على التراب خطًّا.


قالوا:

هذا وطنٌ...

وهناك وطن.


وقالوا:

هذه أرضٌ لنا،

وتلك أرضٌ لغيرنا.


وكان الخطُّ في البداية

مجردَ علامةٍ على ورق.


لكن الإنسانَ، مع مرور الأيام،

أعطى الخطَّ اسمًا،

ثم أعطاه حارسًا،

ثم أعطاه بندقيةً،

ثم أعطاه ذاكرةً من الخوف.


وبعد أن كان الخطُّ على الخريطة،

انتقل إلى الطريق.


ثم انتقل إلى البيوت.


ثم دخل المدارس.


ثم تسلّل إلى الحكايات التي يرويها الآباء لأبنائهم.


حتى أصبح الطفلُ يولد

وفي رأسه خريطةٌ لم يرسمها،

ويحمل في قلبه مسافةً بينه وبين إنسانٍ آخر

لم يلتقه قط.


وهنا تبدأ الحكاية...


لا حكاية الحدود وحدها،

بل حكاية الإنسان الذي نسي

أن الأرضَ أقدمُ من الخرائط،

وأن الدمَ لا يقرأ جوازات السفر،

وأن الأمَّ حين تدعو لابنها

لا تسأل السماءَ عن الجهة التي يقف فيها.


هذه المعلّقة ليست دعوةً إلى محو الأوطان،

ولا إلى إنكار حق الشعوب في أرضها،

فلكل شعبٍ وطنه،

ولكل أرضٍ حرمتها،

ولكل إنسانٍ حقٌّ في الكرامة والأمان.


ولكنها محاولةٌ للسؤال:


متى تصبح الحدودُ ضرورةً تحفظ الحقوق؟

ومتى تتحول إلى سجنٍ يسكن العقول؟


متى يكون اختلاف الأوطان

اختلافًا في المكان،

ومتى يصبح اختلافًا في الإنسان؟


وهل يستطيع المرء

أن يحب وطنه

دون أن يتعلم كراهية وطنٍ آخر؟


وهل يمكن أن نحفظ حدود الأرض

دون أن نرسم حدودًا بين القلوب؟


من هنا تبدأ الرحلة.


رحلةٌ عبر قريةٍ شطرها خطٌّ غامض،

ونهرٍ لم يتعلم لغة الخرائط،

وأمهاتٍ ينتظرن أبناءهن من ضفتين،

وشجرةِ زيتونٍ تحفظ ذاكرةً أقدم من الحدود،

وخريطةٍ ستتكلم ذات يوم،

وأبناءٍ سيُطلب منهم أن يرثوا الماضي...


فيختارون:


هل يرثون الأرض فقط؟


أم يرثون معها الخوف؟


هل يحملون ذاكرة آبائهم

ليتعلموا منها؟


أم يحملون عداواتهم

ليعيدوا إنتاجها؟


سنمضي في هذه الحكاية

من خطٍّ صغيرٍ على التراب

إلى خطٍّ أكبر في القلب.


وسنرى كيف يمكن للإنسان

أن يصنع من الحدود نظامًا،

ثم يصنع منها خوفًا،

ثم يصنع من الخوف جدارًا،

ثم ينسى في النهاية

أنه هو الذي بدأ كل ذلك.


فإذا وصلنا إلى آخر الطريق،

فلن نسأل:


أين تنتهي الحدود؟


بل سنسأل السؤال الأصعب:


أين يبدأ الإنسان؟


وهناك...


حين يهدأ صوت الخرائط،

وتسكت البنادق،

ويعود المطر إلى التراب،

ربما نكتشف أن الأرض لم تكن يومًا هي المشكلة...


بل ما وضعناه نحن

في قلوبنا فوقها.


ومن هنا تبدأ المعلّقة...


معلّقة الحدود التي فرّقت الشعوب.


من تأليف الكاتب والشاعر محمد علي باني

الجمهورية التونسية


Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :