رواية مُهر
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
الفصل الثاني
نوافذ مغلقة ▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
لم يكن البيت ضيقا، ولا الحارة أضيق من حارات المنطقة الأخرى. الفقر هنا كان متساويا، يُوزع بعدل غريب، ولا يترك لأحد ميزة حقيقية.
البيوت متشابهة، حتى الجدران بلون واحد فقد معناه منذ زمن، والشبابيك عالية قليلا، مغلقة دائما رغم ان بعضها بلا زجاج والبعض الآخر مكسور، ولا أحد يفكر في إصلاح شيء ولا يغير شيئا.
لم تكن هناك ستائر ثقيلة. قطعة قماش قديمة، معلقة لتقول إن هناك بيتا، وتمنع المتطفلين من النظر.
في هذا البيت، كان كل شيء مغلقا. كل شيء يجب أن يُخفى.
كبرت وهي تفهم القواعد دون أن تُشرح لها. تفهمها من نبرة الصوت، من حركة اليد، من صمت الأب حين تنتهي الجملة.
«اقفلي رجلك.» «اقعدي عدل.» «متقفيش كده.»
لم تكن أوامر، كانت تصحيحات. كأنها شيء يحتاج إعادة ضبط مستمرة.
في طريق العودة من المدرسة، كانت تسير مع زميلٍ يسكن في نفس الشارع. حديث عادي، عن درس لم تفهمه، عن امتحان قريب، عن معلمة ترفع صوتها كثيرا.
لم تفكر في الأمر. لم تشعر أنه شيء يجب إخفاؤه. كانت تمشي فقط، وتتكلم، وتضحك ضحكة قصيرة خرجت منها قبل أن تنتبه.
افترقا عند أول ناصية. دخل كل منهما بيته. وانتهى اليوم، كما تنتهي الأيام في الأحياء الفقيرة: بلا أحداث تُذكر.
لكن قبل المغرب بقليل، تغير شيء في الحارة.
خرجت الأم لتشتري شيئا، ثم عادت بسرعة غير معتادة. الجيران وقفوا عند أبوابهم. همس ينتقل أسرع من الخطوات.
اقتربت هي بحذر. لم تعرف لماذا خف صوتها الداخلي فجأة، وشعرت أن الهواء صار أثقل. رفعت رأسها، ورأت الجدار المقابل لبيتها.
الجدار الذي مرت أمامه مئات المرات. لم يكن مميزا، ولا نظيفا، ولا صالحا لأن يحمل شيئا.
لكن هذه المرة، كان مختلفا.
اسمها.
مكتوب بوضوح. حروف كبيرة، مشكلة بعناية من أوراق شجر خضراء، ملصوقة بعجينة بدائية.
اسمها.. في مواجهة البيت مباشرة.
لم يكن جميلا. لم يكن قبيحا. كان فقط.. موجودًا. علنيا. لا يحتاج تفسيرا.
ثانية. ثم ثانية أخرى.
لم تفهم فورا. تساءلت: هل هذا اسمها فعلا؟ أم اسم يشبهه؟ ولماذا هنا؟ ولماذا كبير إلى هذا الحد؟
ثم فهمت.
الكل قرأ. الكل فهم. حتى الذين لم يقرؤوا فهموا.
شعرت بأن قلبها بدأ يخفق بطريقة لم تعرفها من قبل.
ليس خوفا خالصا. ليس فرحا كاملا. شيئا بينهما، ساخنا، سريعا، كأنه يعلن عن نفسه لأول مرة.
كفاها تعرقا. معدتها انقبضت. وصوت الشارع صار أعلى من اللازم.
الأم صرخت. صرخت كثيرا، بما يكفي ليُغلق الحارة.
الأب خرج. نظر إلى الجدار. ثم إليها. ثم إلى الأرض.
لم يقل شيئا طويلا. جملة واحدة، ثقيلة:
«إنتِ فاكرة نفسك إيه... مين ابن ..... اللى عمل كده؟»
صمت.
لا صراخ بعده. لا شرح.
الجيران تكلموا. كل بطريقته. نصائح مغلفة بالفضيحة. حرص يشبه الاتهام.
قالت واحدة، وهي تشد طرحتها وتحرك شفتيها يمينا ويسارا: «الحتة بقت مفيهاش أمان.»
رأت أختها الكبرى الاسم. لم تقل شيئا. شدت فمها قليلا. وجدت على أسنانها، ثم نظرة سريعة، كأن شيئا أُخذ منها دون استئذان.
وفي النهاية، اختفى الاسم. أُزيلت الأوراق. غُسل الجدار. وبقي الأثر.
في الليل، تحت الغطاء، كانت مستلقية على ظهرها. القلب ما زال يخفق.
شعرت بالخوف. شعرت بالذنب. لكنها، للمرة الأولى، شعرت بسعادة صغيرة. ضيقة. لا تشبه أي شيء قيل لها إنه خطأ.
لم تكن سعيدة لأن أحدا أحبها. لم تكن تعرف إن كان ذلك حبا أصلا.
كانت سعيدة لأن أحدا كتب اسمها. كما لو أنه يقول: أنا أراك.
ابتسمت. ابتسامة خفيفة. خائفة من نفسها، ومن الفكرة.
وفي الصباح، عاد كل شيء كما كان. التحذيرات. الاعتراضات. ثرثرة الجيران.
لكن شيئا واحدا لم يعد كما كان.
عرفت، دون أن تُسمي ما عرفته، أن هناك حياة يمكن أن تُعاش في الخفاء.
وأن القلب، حتى في بيت نوافذه مغلقة، قد يجد طريقه للضوء.. ولو مرة واحدة.
طارق الحلواني