الخميس، 3 سبتمبر 2026

Hiamemaloha

معلقة من ظلام الجاهلية إلى نور الرسالة الفصل العاشر للشاعر محمد علي باني

 معلّقة من ظلام الجاهلية إلى نور الرسالة

الفصل العاشر: أُحد... حين يكشف الألم ما في القلوب


مقدمة وجدانية


ليست كل الطرق إلى النور مفروشةً بالانتصار.

فقد يأتي الدرس أحياناً من جرحٍ عميق، ومن لحظةٍ يتراجع فيها الإنسان أمام نفسه، فيكتشف أن الطريق إلى المجد ليس سهلاً، وأن الإيمان لا يعني غياب الابتلاء.


بعد بدر، جاءت أُحد.


وكان المسلمون قد عرفوا طعم النصر، فجاء الامتحان من جهةٍ أخرى: هل يستطيع المنتصر أن يظل مطيعاً حين يرى الغنيمة أمام عينيه؟


خرج المسلمون إلى أُحد، وكان في نفوسهم من الحماس ما في نفوس الرجال الذين ذاقوا النصر من قبل.


وأقام النبي ﷺ الرماة على موضعهم، وأمرهم بألا يتركوا مكانهم مهما تغيرت مجريات المعركة.


لكن لحظةً من التأويل، ورغبةً في جمع الغنائم، جعلت بعضهم يغادرون مواقعهم.


وتبدلت الصورة.


تحول التفوق إلى اضطراب، وأصيب المسلمون، واستشهد رجالٌ من خيرة الصحابة، وكان حمزة رضي الله عنه من بينهم.


كان المشهد مؤلماً.


لكن الألم لم يكن نهاية الطريق.


فالرسالة لم تربِّ أصحابها على الاعتقاد بأن المؤمن لا يُبتلى، وإنما علمتهم كيف يقفون بعد السقوط، وكيف يحولون الجرح إلى درس، والخسارة إلى وعي، والانكسار إلى بداية جديدة.


وهنا تظهر عظمة التربية النبوية:


أن الإنسان قد يخطئ، لكن الخطأ لا ينبغي أن يكون نهاية


 الإنسان.


أبيات الفصل


أَتَتْ أُحُدٌ وَالأُفْقُ يَلْبَسُ غَيْمَهُ

وَفِي القَلْبِ مِنْ ذِكْرَى بَدْرٍ تَجَمَّعَا


وَخَرَجَتِ الأَصْحَابُ وَالعَزْمُ زَادُهُمْ

وَفِي كُلِّ قَلْبٍ لِلْوَفَاءِ تَضَرُّعَا


وَأَوْقَفَ خَيْرُ الخَلْقِ فَوْقَ جَبَلِهِمْ

رِجَالًا عَلَى ثَغْرٍ لِيَبْقَى مُصَوَّنَا


وَقَالَ لَهُمْ: لَا تَبْرَحُوا مَوْضِعَكُمْ

وَلَوْ رَأَيْتُمْ أَمْرَنَا قَدْ تَغَيَّرَا


فَإِنَّ لِكُلِّ النَّصْرِ سِرًّا وَطَاعَةً

وَمَنْ يَتْرُكِ التَّكْلِيفَ يَلْقَ التَّحَسُّرَا


فَلَمَّا تَرَاءَى النَّصْرُ فِي أُفُقِ الوَغَى

رَأَى بَعْضُهُمْ أَمْوَالَ قَوْمٍ فَتَنَتْهُمْ


فَنَزَلُوا وَظَنُّوا أَنَّ أَمْرَ قَائِدٍ

قَدِ انْقَضَى، فَجَاءَ الخَلَلُ وَتَفَرَّقَا


وَدَارَتْ رُحَى الأَيَّامِ دَوْرَةَ مِحْنَةٍ

وَصَارَ صَفُّ المُؤْمِنِينَ مُضَرَّجَا


وَسَالَتْ دِمَاءُ الطَّاهِرِينَ عَلَى الثَّرَى

فَأَصْبَحَ وَجْهُ الأَرْضِ بِالدَّمِ أَبْرَقَا


وَغَابَ حَمْزَةُ فِي ثَرَى أُحُدٍ، وَمَا

غَابَتْ مَنَاقِبُهُ وَلَا مَا تَحَقَّقَا


وَكَانَ جُرْحُ المُصْطَفَى دَرْسَ أُمَّةٍ

يُرِي أَنَّ طَرْقَ الحَقِّ لَيْسَ مُزَوَّقَا


فَمَا كُلُّ يَوْمٍ فِي الحَيَاةِ ظَفَائِرٌ

وَلَا كُلُّ دَرْبٍ لِلْفَتَى مُتَأَلِّقَا


وَلَكِنَّ مَنْ يَثْبُتْ إِذَا مَسَّهُ الأَذَى

يُحَوِّلْ جُرْحَ الرُّوحِ عِلْمًا وَمَرْقَى


وَيَعْلَمْ بِأَنَّ الطَّاعَةَ الحِصْنُ إِنْ عَصَتْ

نُفُوسٌ، وَأَنَّ النَّصْرَ لَيْسَ تَمَنِّيَا


وَيَعْلَمْ بِأَنَّ المَرْءَ حِينَ يُطِيعُ مَنْ

يَقُودُ إِلَى الخَيْرِ يَكْسِبْ تَفَوُّقَا


وَيَعْلَمْ بِأَنَّ الطَّمَعَ الصَّغِيرَ قَدْ يَجُرُّ

إِلَى خَسَارَاتٍ تُثَقِّلُ مَوْقِفَا


فَيَا أُحُدًا، يَا صَفْحَةً مِنْ مَدَارِسٍ

تُعَلِّمُنَا أَنَّ الهَزِيمَةَ لَيْسَتْ مَنْتَهَى


إِذَا أَحْسَنَ الإِنْسَانُ فَهْمَ دُرُوسِهَا

وَعَادَ إِلَى رَبِّ العِبَادِ مُصَحِّحَا


وَمَا كَانَ جُرْحُ المُؤْمِنِينَ نِهَايَةً

وَلَكِنَّهُ لِلصَّفِّ كَانَ مُنَبِّهَا


فَعَادَتْ قُلُوبُ القَوْمِ أَقْوَى تَمَاسُكًا

وَصَارَتْ مَعَ الأَيَّامِ أَشَدَّ تَصَبُّرَا


وَأَدْرَكَ مَنْ فِي القَوْمِ أَنَّ الرِّسَالَةَ

تُرَبِّي نُفُوسًا لَا تُرَبِّي تَفَاخُرَا


وَأَنَّ الكِبْرَ إِنْ دَخَلْ فِي قَلْبِ مُؤْمِنٍ

يُحَوِّلْ مَجْدَ المَرْءِ وَهْمًا مُبَدَّدَا


فَطُوبَى لِقَلْبٍ كُلَّمَا زَلَّ رَاجَعَ

طَرِيقَ الهُدَى وَاسْتَغْفَرَ اللهَ مُذْعِنَا


وَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ المَصَائِبَ مَنْهَجًا

لِيُصْلِحَ نَفْسًا وَيُقَوِّيَ مُجْتَمَعَا


خاتمة الفصل


كانت أُحد جرحاً في جسد المجتمع المسلم، لكنها كانت أيضاً درساً في تربية الأمة.


فليس الإنسان عظيماً لأنه لا يخطئ، وإنما لأنه يعرف كيف يتعلم من خطئه.


ولم يكن الألم الذي أصاب المسلمين نهايةً، بل كشف لهم أن بناء الأمة يحتاج إلى أكثر من الحماس؛ يحتاج إلى طاعةٍ ووعيٍ وانضباطٍ وصبر.


وهنا تتضح إحدى أعظم قواعد البناء الحضاري:


إذا لم يتعلم الإنسان من أخطائه، أعاد التاريخ أخطاءه في صورٍ جديدة.


لقد كانت أُحد مدرسةً في المسؤولية، ومدرسةً في الصبر، ومدرسةً في معرفة النفس.


ومن بعدها ستتوالى الأحداث، وستزداد التحديات، وستجتمع قوى مختلفة لمحاصرة المدينة، وسيجد المجتمع الجديد نفسه أمام امتحانٍ آخر لا يشبه أُحداً.


امتحانٌ لا يكون فيه العدو أمام المسلمين وحدهم، بل ستكون المدينة كلها في حالة حصار.


ومن هنا نفتح باب الفصل القادم:

الفصل الحادي عشر: الخندق... حين تحاصر الجموعُ مدينةَ الإيمان


هناك سنرى كيف واجه المسلمون حصاراً شديداً، وكيف تحولت فكرةٌ بسيطة إلى وسيلة دفاع، وكيف اجتمعت القبائل حول المدينة، بينما وقف أهلها خلف خندقٍ صنعوه بأيديهم، يحملون في صدورهم يقيناً بأن العاصفة مهما اشتدت لا

 تدوم.


التوقيع الشعري


أَنَا ابْنُ حَرْفٍ إِذَا مَا لَامَسَ الأَلَمَ

نَبْضُ الحَنِينِ بِهِ، وَارْتَدَّ مُلْتَهِبَا


الكاتب والشاعر محمد علي باني / تونس


Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :