القلم صديق الانسان
بقلم: نادية التومي
الكلمة مثل السيف؛ تقطع وصال الإنسان بالشرايين، وتغوص عميقًا في وجعه دون رحمة. نلجأ للكلمات لنعبر عمّا يختلج الصدر، فنكتب لا لنرتاح، بل لننزف. كلماتنا لا تُفرغ الحزن، بل تذبح، كما تُذبح الشاة يوم العيد، غير أن الشاة تُقرب قربانًا لله، أما نحن، فنهوي تحت سيوف الكلمات دون أن يرانا أحد.
تمرّ لحظة ضعف، تنظر في المرآة، فتتعرّى الحقيقة...ترى نفسك على هيئة لم تعهدها من قبل، وجهك الذي ظننته ثابتًا، يتغير. تدرك أنك عشت وهمًا، سرابًا. كنت تمشي ناظرًا إلى قدميك، لا إلى الأفق، واليوم تصعد لتطل من قمة الجبل، فتدرك ما لم ترَه من قبل. تمرّ بك أفكارٌ متخبطة، أمواجُ بحرٍ هائج، فيها مدٌّ وجزر. تنادي البحر ليسمع أنين قلبك، تتساءل عن الوجود، عن الحياة، عن القدر، عن الإنسان،
هل نحن مسيّرون؟
هل نفعل بإرادتنا أم بقدر مكتوب؟
ترمي أحمالك لله، وتنام، علّ شمس يومٍ جديد تجلب لك سكينة لا تعرف الطريق إليها. تمسك القلم، تحاول أن تكتب، تفيض الأفكار في رأسك، لكنها لا تجد طريقها إلى الورق.
تسأل: هل أكتب أنا القلم، أم القلم يكتبني؟ خواطرك تبقى مبعثرة حتى تستقر، لكنك لا تعرف نهاية لما تكتب. تُهان الأقلام من أولئك الذين يظنون أن كل من حمل قلمًا صار عالمًا. ونسوا قول الله تعالى:
{اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 3-5]
القلم ليس أداة كتابة فحسب، إنه الذاكرة، السيف، الرفيق. ومع ذلك، يظن بعضهم أنه لا يليق إلّا بالمدّعين والمتباهين، لكننا نكتب لنتنفس، لنحيا، نُفرغ الألم، ونعيد شحن الروح بطاقة نقية. نحن لا نحمل الغرور، بل التجربة. لا نزهو بما كتبنا، بل بما تعلّمنا. فالكتب تحفظ، لكن الحياة تُدرّس، وحده من خبر الحياة، وعاش الوجع، وعرف معنى العطاء دون مقابل يكتب بقلمٍ يعرف ما يقول. لسنا دعاة علم زائف، نحن أبناء التجربة، من سهر وكتب وانكسر ثم نهض.
وفي هذا الزمان، صارت الأقنعة أكثر من الوجوه، وصار الوفاء نادرًا كعملةٍ مهجورة، صار الناس يستخدمونك جسراً يعبرون عليه،
ثم يقطعونه حين يصلون برّ الأمان.
ولكن... سنتحرر ذات يوم، سنتعلم أن من لا يرى فيك قيمة، لا يستحق وجودك. سنمضي دون ضجيج، وسنترك أثرًا، وإن كان بسيطًا، فالأثر لا يُقاس بحجمه، بل بصدقه.
سنرحل... وسيروي التاريخ ما تركنا من كلمات. ربما لا يتذكّرنا أحد، وربما تبقى كتاباتنا كنقش على حجر. لكننا عرفنا من كنا، وعرفنا من معنا ومن علينا، وكفى بذلك درسًا للحياة.
"القلم لا يموت، لأنه حين ينكسر، يبدأ في الكتابة من جديد." نكتب لا لنُباهي، بل لنفهم، لنتذكّر، لنعلّم ونُعلّم. فلنصن أقلامنا من التهميش، ولنحترم التجربة، فهي أصدق من أي لقب.