سِرٌّ على كَتِفٍ ناعِم
بقلم: سَيِّد حَمِيد عَطَا الله الجَزَائِرِي
الحَقِيبَةُ… هٰذَا الكَائِنُ الصَّغِيرُ الَّذِي يَتَدَلَّى مِن كَتِفِ المَرأَةِ لَيْسَ إِكسِسوَارًا كَمَا يَتَوَهَّمُ البُسَطَاءُ، بَل دَولَةٌ مُستَقِلَّةٌ، لَهَا حُدُودُهَا وَجِمَاركُهَا وَأَسرَارُهَا، دُستُورُهَا مَكتُوبٌ بِلُغَةِ الغُمُوضِ، لَا يُقرَأُ إِلَّا بِيَدِ صَاحِبَةِ السِّيَادَةِ. مِنَ الخَارِجِ تَبدُو قِطعَةً بَرِيئَةً مِنَ الجِلدِ أَوِ القُمَاشِ، أَمَّا الدَّاخِلُ فَهُوَ أَرشِيفٌ مُتَحَرِّكٌ، أَرشِيفٌ لَا يَخُصُّ التَّارِيخَ بَل يَومِيَّاتِ الحَربِ النَّاعِمَةِ.
فِيهَا قَلَمُ شِفَاهٍ أَحمَرُ يُعلِنُ حَالَةَ الطَّوَارِئِ عِندَ أَوَّلِ هُجُومٍ لِلنَّظَرَاتِ، مِرآةٌ بِحَجْمِ كَفٍّ تُصلِحُ مَا أَفسَدَهُ الوَاقِعُ قَبلَ أَن يَتَحَوَّلَ إِلَى فَضِيحَةٍ، كُحلٌ كَالسَّيفِ يُعِيدُ تَرتِيبَ العُيُونِ لِتُصبِحَ أَكثَرَ إِقنَاعًا، وَرَذَاذُ فُلفُلٍ يُذَكِّرُ أَنَّ الجَمَالَ بِلَا سِلَاحٍ مُجرَّدُ استِسلَامٍ.
إِنَّهَا لَيسَت مُلحَقًا تَجمِيلِيًّا، بَل عُكَازَةٌ رَمزِيَّةٌ؛ فَحِينَما تَخرُجُ بِلَا حَقِيبَتِهَا تَبدُو كَمَا لَو كَانَت بِقَدمٍ وَاحِدَةٍ.
المَرأَةُ بِلَا حَقِيبَةٍ لَيسَتِ امرَأَةً نَاقِصَةً، بَل كَائِنٌ مَنزُوعُ السِّيَادَةِ، كَدَولَةٍ بِلَا عَلمٍ. قَد تَنسَى رَضِيعَهَا مِن شِدَّةِ الاِنشِغَالِ، لَكِن أَن تَنسَى حَقِيبَتَهَا؟ تِلكَ خِيَانَةٌ كُبرَى لِلنَّفسِ، كَالتَّنَازُلِ عَنِ الاستِقلَالِ الوَطَنِيِّ.
تَتَنَوَّعُ الحَقَائِبُ كَمَا تَتَنَوَّعُ الفَلسَفَاتُ: مِنهَا الجَامبُو بِحَجمِ طَائِرَةٍ تَحمِلُ «كُلَّ شَيءٍ وَلَا شَيءَ»، وَمِنهَا الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَا تَسَعُ إِلَّا أَسرَارًا تَكفِي لِتَفجِيرِ عَالَمٍ بِأَكمَلِهِ. أَلوَانُهَا بَرَّاقَةٌ كَإِعلَانَاتِ العَصرِ، تَتَغَيَّرُ كُلَّ مَوسِمٍ كَمَا تَتَغَيَّرُ مَوَضَاتُ الحَقِيقَةِ فِي زَمَنٍ استِهلَاكِيٍّ سَرِيعِ الزَّوَالِ.
لَكِنَّ المَعنَى الأَعمَقَ لَيسَ فِي الشَّكلِ. الحَقِيبَةُ استِعَارَةٌ لِهُوِيَّةِ المَرأَةِ فِي زَمَنٍ اختَلَطَ فِيهِ الجَوهَرُ بِالقِشرَةِ. فِي الجَاهِلِيَّةِ، حَمَلَتِ المَرأَةُ جَرَّةَ مَاءٍ؛ رَمزَ الحَيَاةِ وَالبَقَاءِ. اليَومَ تَحمِلُ قِنِّينَةَ عِطرٍ وَبُودرَةً، رَمزًا لِلظُّهُورِ وَالتَّخَفِّي. هَكَذَا انتَقَلنَا مِنَ العَطَشِ إِلَى الزِّينَةِ، مِنَ الضَّرُورَةِ إِلَى الكَمَالِيَّةِ، مِنَ البَقَاءِ إِلَى الاِستِعرَاضِ. إِنَّهَا مَلحَمَةٌ سَاخِرَةٌ: جَوهَرُ الحَيَاةِ صَارَ مُجرَّدَ بُخَّاخِ عِطرٍ يَختَفِي بَعدَ دَقَائِقَ.
وَرَغمَ كُلِّ هَذَا، تَظَلُّ الحَقِيبَةُ مِسَاحَةَ حُرِّيَّةٍ. هِيَ «الخَطُّ الأَحمَرُ» الَّذِي لَا يَجرُؤُ أَحَدٌ عَلَى تَجَاوُزِهِ. يُمكِنُ أَن تُفَتَّشَ الأَوطَانُ وَتُرَاقَبَ العُقُولُ، لَكِن حَقِيبَةَ المَرأَةِ تَبقَى دَولَةً مُغلَقَةً، مَحمِيَّةً بِحُقُوقِ الغُمُوضِ. إِنَّهَا كِتَابٌ مَكتُوبٌ بِأَلوَانٍ وَأَدَوَاتٍ، صَفَحَاتُهُ مِرآةٌ، وَحُرُوفُهُ مَسَاحِيقُ، وَأَغلفَتُهُ أَسرَارٌ.
الحَقِيبَةُ إِذَن لَيسَت حَملًا عَلَى الكَتِفِ بَل رَمزًا لِعَصرٍ بِأَكمَلِهِ: عَصرٍ جَعَلَ مِنَ الأَشيَاءِ مَعَابِدَ، وَمِنَ المَظهَرِ عَقِيدَةً، وَمِنَ الاستِهلَاكِ فَلسَفَةً يَومِيَّةً. إِنَّهَا هُوِيَّةٌ مُتَنَقِّلَةٌ، سِلَاحٌ نَاعِمٌ، كِتَابٌ سَاخِرٌ مَفتُوحٌ عَلَى العَالَمِ… لَكِن لَا يَحِقُّ لِأَحَدٍ أَن يَقرَأَهُ.