الأحد، 14 ديسمبر 2025

Hiamemaloha

حين راحع الإنسان حياته بصمت جريح للكاتب إدريس أبو رزق

 حين يراجع الإنسان حياته بصمت جريح

في تلك الليلة، لم يكن الليل مظلماً كما اعتاد… بل كان يشبه صفحة فارغة تنتظر من يكتب عليها الحقيقة.

جلس وحده، وأغلق الباب خلفه كما يُغلق المرء باباً على حياةٍ كاملة، ثم أسند رأسه إلى الجدار… وكأنه يريد أن يستند إلى شيء ثابت بعدما اهتزّ كل شيء داخله.


لم يقل كلمة.

لم يجرؤ أن يقول.

فالأحاديث التي تُقال للآخرين سهلة… أما تلك التي تُهمس للداخل، فهي وحدها التي تترك الندوب.


كان يسمع أنفاسه تتباطأ.

ضربات قلبه تزداد ثقلاً.

والصمت حوله يتحرك كأنه كائن حيّ يقترب منه ليكشفه.


بدأت حياته تمر أمامه… لا كذكريات، بل كسؤال:

"كيف وصلتُ إلى هنا؟"


رأى نفسه طفلاً يركض خلف حلم كان أكبر منه.

شاباً يبحث عن مكانه بين ضجيج العالم.

رجلاً يضع قوته في وجه الناس، وضعفه في وجه نفسه.


ورأى تلك اللحظة التي ظنّ فيها أنه انتصر… لكنها كانت اللحظة نفسها التي خسر فيها جزءاً منه.


ثم ظهرت في ذاكرته امرأة.

امرأة لم ترفع صوتها يوماً… لكنها تركت داخله ثقباً لا يمتلئ.

كانت تقف هناك في زاوية الذاكرة، تنظر إليه بعينين يعرف أنه خذلهما دون أن ينتبه.

لم تتكلم…

لم تلُم…

لكن صمتها كان أقسى اعتراف يواجهه.


قال في داخله، بصوتٍ خافت كدمعة سقطت على الورق:

"لم أكن كما كنت أستطيع أن أكون."


وشعر حينها أن الكلمات التي لم يقلها حين كان يجب أن تُقال، عادت الآن لتطرق قلبه بقسوة.


نظر إلى يديه، كأنه يحاسب ما صنعاه.

كم مرة تمسّك بما يؤذيه؟

وكم مرة أفلت ما كان يستحق أن يبقى؟


أدرك فجأة أن الإنسان لا ينكسر دفعة واحدة…

هو يتشقق أولاً، بخيبة صغيرة، بصمت طويل، بحزنٍ ضيّق لا يلتفت إليه.

ثم تأتي لحظة كهذه…

لحظة يُراجع فيها نفسه بصمتٍ جريح،

فيرى كل الشرخ الذي تجاهله يتسع أمامه.


رفع رأسه.

لم يشعر بالخجل من دمعة خرجت رغم مقاومته.

فالدمعة التي تأتي من الداخل ليست ضعفاً…

إنها اعتراف.


همس لنفسه:

"ربما لم يكن بإمكاني أن أغيّر الماضي… لكن يمكنني أن أتوقف عن الهرب منه."


وفي تلك اللحظة، وللمرة الأولى منذ زمن بعيد…

شعر أنه ينظر إلى نفسه كما هي، بلا تبرير، بلا تزييف، بلا قناع.


كان يؤلمه ما يرى…

لكن الألم هذه المرة لم يكن كسراً،

بل باباً يُفتح نحو حياةٍ أكثر صدقاً.


حياة يمكن أن يبدأها من هذه الليلة بالذات.


الكاتب : إدريس أبورزق


Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :