"هدوء الفهم… لغة الروح وصمت الحكمة"
لماذا ينسحب أكثر الحكماء من ضجيج العالم؟
ولماذا كلّ الذين فهموا الحياة حقّ الفهم، آثروا الصمت على الصخب، والهدوء على الظهور؟
ربما لأنهم أدركوا مبكراً أن الضجيج ليس دليلاً على الامتلاء،
وأن كثرة الحضور لا تعني عمق الأثر،
وأن الأضواء كثيراً ما تفضح السطح وتخفي الجوهر.
ليس كلّ ظهورٍ عبثاً، لكن أكثره محاولة لتعويض فراغٍ داخلي لم يلتئم بعد.
أما من شبع فهماً، ومن تصالح مع أسئلته الكبرى،
فلا يحتاج إلى أن يصرخ ليُثبت وجوده،
ولا أن يتزاحم ليُبرّر قيمته،
فحضوره الصامت أبلغ من كل صخبٍ زائل.
كيف يصل الإنسان إلى هذا الفهم؟
وكيف يبلغ الطمأنينة التي تجعله يختار الهدوء اختياراً لا هروباً؟
الإجابة تبدأ حين يجرّب الخيبة حتى تتآكل أوهامه،
وحين يلمس هشاشة الشهرة ويكتشف أن التصفيق صوتٌ سريع الزوال،
وأن أعظم المعارك هي تلك التي تُخاض في الداخل، لا أمام الجمهور.
حين يفهم أن الحياة ليست مسرحاً دائماً،
وأن بعض الأدوار العظيمة تُؤدّى في الخفاء،
لكن أثرها يظلّ أعظم من ألف مشهدٍ علني،
تنكشف الحكمة، وتكبر الصرامة الداخلية، ويترسّخ السلام الداخلي.
إذن… هل الهدوء ضعف؟
على العكس، الهدوء هو قمّة القوة؛
قدرة على ضبط الرغبة في التبرير،
ومقاومة إغراء الردّ،
وعلى ترك الزمن يتكفّل بالحقيقة.
الهدوء أن تمتلك الإجابة،
لكن تختار ألّا تصرخ بها،
لأن الصمت أبلغ أحياناً من كل خطاب.
وقد يظن البعض أن قلة الظهور انسحابٌ أو خوف من المواجهة،
لكن الحقيقة أن الضعيف هو من يظل أسير الحاجة إلى التصفيق،
ومن يقيس قيمته بعدد العيون التي تنظر إليه.
أما من قلّ ظهوره، فقد اختار أن يكون حاضراً في المعنى لا في الضجيج،
وفي العمق لا في السطح،
وفي الأثر لا في المشهد العابر.
الحياة لا تكافئ الضجيج، بل تكافئ الفهم.
ومن فهمها، عرف أن المعارك التي تستحق الخوض قليلة،
وأن معظم الصراعات استنزاف بلا جدوى،
وأن السلام الداخلي أثمن من أي انتصار خارجي.
ومن يستوعب حقيقة الحياة حقاً، لا يهرب من العالم،
بل يختار موقعه فيه بحكمة،
لا يختفي خوفاً، بل يتوارى احتراماً لروحه،
ولا يقلّ ظهوره عجزاً، بل لأن حضوره صار أثقل من أن يُبعثر في كل موضع.
فهو يدرك أن الهدوء ليس فراغاً، بل امتلاءٌ لا يحتاج إلى إعلان.
وكأن الحقيقة تقول:
من فهم الحياة حقاً، لم يعد بحاجة إلى أن يُثبت نفسه للعالم…
لأنه أخيراً أثبتها لنفسه.
وهنا، يصبح الهدوء لغة،
وقلة الظهور حكمة،
والصمت شكلاً ناضجاً من الفهم،
حيث يتجلى المعنى في الداخل قبل أن يظهر في الخارج.
✍🏻د.راوية عبدالله🇾🇪
#راوية #رورو #حديث_الروح #صوت_داخلي #لغة_القلب #بوح_أنثى #أفكار_عميقة #نبض_الكلمات #خربشات_وجدانية #تأملات #عبّر_بصدق