السبت، 11 أبريل 2020

Hiamemaloha

طاقم أسنان للشاعر محمد بوعزة

طاقم أسنان
       بقلم الشاعر محمدبوعزة
وأنت تسير منتشيا بروعة المنظر وجمالية المكان بشاطئ " الريبيرا " الجميل باسبانيا، يلفت انتباهك نصب لتمثال من البرونز  لصاحبه    "سانتياغو أبوسطول " saintiago apostol إذ لا تمر بجانبه حتى يأخد منك الفضول مأخده ، فتطلع على ما كتب بخط  مذهب كتعريف لهذه الشخصية المتكئة على عكاز  فوق صور صغير...
جلست على أريكة بالشاطئ خلف التمثال ، أنتشي بزقزقات العصافير التي تعج بها أغصان النخل وفضاء المكان ... أنغام تتمازج بصوت انسياب الموج وعيناي متجهتان نحو بناية " لامانكا " العجيبة ؛ وكأن كلا من لامانكا والريبيرا متفقتان على احتضان بساط هذا الأخدود الفسيح ، وضمه بدراعيهما المتسامحتين الطويلتين..
كنت أنظر إلى الرمال التي مازالت لم تجفف بللَها أشعةُ الشمس بعد ، وإذا بي أرمق ما يشبه فما من الرمل وقد بانت نواجده وأضراسه ... قطعة رمل تضحك وتبتسم ؛ أسنان ناتئة قد جعلت الشاطئ يبتسم لي هذا الصباح .. ! لعله فأل خير وبشرى سعادة أبتدئ بها نهار اليوم .
اقتربت من هذا الفم الذي فقد شفتيه ، والذي أبى أن ينهيَّ ضحكته ، حمْلقتُ فيه ، فإذا هو طاقم أسنان قد أطبق على الرمل نتيجة دوْسةِ قدم ... أزحتهُ بلطف من مكانه ونفضت ما علق به من رمل ثم وضعته في مكان مكشوف لعل من فقده يتذكر  فيعود للبحث عنه ...
ضحكت في نفسي وقلت : قهقه الرمل ملء شدقيه وغابت الابتسامة عن العجوز صاحب الطاقم المفقود ، الرمل يستقبلني مزهوا والعجوز المسكين يضع يده على فمه استحياء وتسترا كلما أراد التبسم أو غالبه التثاءب . من يدري ؟ لعله أعياه البحث هنا وهناك ، وربما عاد الى حيث قضى يومه البارحة وبدون جدوى ، غير أن الأكيد في الأمر أنه سيحضِّر وجبة تليق بحال فمه كلما أراد أن يهيء الطعام ....
هزني منظر الطاقم وعادني ما يشبه وخْز الدكريات ، فللأحداث حين تتلاقى اقتران ومواعيد من غير احتساب وبعضها يطارد بعض لنستفيق على حقيقة ما فاتنا فهمه في بعض الأحيان ..
أذكر يوما أن أحد عجائز مدشري بأرض الوطن كبُر به السن وكان له ابن مغترب  شاءت الأقدار أن يغيب طويلا ببلاد المهجر ، فاشتعلت نيران الوحشة بين أضلع الشيخ المسكين ؛ لا هو يقوى على مدافعة الحرقة أو يجد حيلة لصد الألم الذي ألم به مند حين ؛ فما كان منه بعد نفاد الصبر إلا أن طلب مني شيئا اختزله في جملة واحدة : قل له أن يحضر فورا قبل أن يجد أسناني عضت التراب  (يقصدالموت) . 
أوْدعت وصيته في طيات صدري وأغلقت على معانيها داخل لفات الذاكرة المُتْقلة بعبء الهموم ، وصرت أتأمل العبارة ( يجد أسناي عضت التراب )  ومدى متانة التعبير وصدق المبالغة في تصوير الإحساس ، بالرغم من أنه لم يفتح قبرا ولم يقرأ الوصف والتوصيف ، ولم يعرف عن المجاز والإيجاز إلا ما علمته إياه التجربة في محيطه الضيق مساحة الواسع بالتأمل والاستنباط ؛ لأجدني أمام شبح يطفو على سطح الأحداث ، يطقطق عازفا بفكي طاقم ، ويغني مستنجدا بفم ماتت فيه عن آخرها جميع الأسنان والأضراس
حبست دمعة الإخلاص ومسحت حرقتها على مطالع خدي إكراما للموصى على حاله والذي لم يكن ذلك الشيخ المسكين  غير المرحوم أبي .
              محمد بوعزة
                     ( خبير الأدب)
       المغرب
          10/4/2020

Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :