……………...الطلاق الصامت………….
بقلم ااشاعر محمد مهداوي
قبل أن تضع حبات الأدوية في فمها، ألقت نظرتها الأخيرة على أبنائها الثلاثة، قبلت رؤوسهم، واعتذرت لهم قائلة:
-لن استطيع المقاومة أكثر، الموت أرحم لي من هذه الحياة البئيسة !
ابتلعت الأدوية السامة دفعة واحدة، وبعد لحظات غابت عن الوجود، فلولا رجوع الزوج من عمله مبكرا،لوقعت الكارثة، نقلها على وجه السرعة إلى المستعجلات فتم غسل معدتها، وبدات تتعافى شيئا فشيئا …
لامها زوجها بشدة على هذه الفعلة الشنيعة وعاتبتها أمها عتابا مريرا، وفضلوا اخفاء محاولة انتحارها عن الجيران والأقارب...فأحست الزوجة أن الكل يمتعض عن المهانة ، والذل الذي أصابهم ولا أحد يعير اهتماما لها ولنفسيتها العليلة، كل ما يهمهم ألا تصل قصة الانتحار للجيران …
وقفت كريمة وقفة تأمل كبرى...استرجعت خلالها شريطا من الأحداث المتواترة….
"لا ادري، كل شيء في مطبخي مرتب، الغرف نظيفة، والكنبات في أماكنها، أقوم بإعداد الطعام لزوجي وأبنائي، وحين أنتهي من أشغال البيت ،أجلس أمام التلفاز ساعات، أتلصص على مشاكل غيري، وأتعلم طهو الأطباق المختلفة لعائلتي الصغيرة...كل شيء في مكانه.. أكرر نفس الأفعال يوميا، ولم أسمع يوما كلمة شكر أو التفاتة من زوجي ترفع معنوياتي ..وكلما حاورته في موضوع ما، يتهمني بالتخلف والبلادة ويشيح بوجهه عني…
الجسد،الذي أمتلكه، انفصل عن روحي، لا من يهتم به، ولا من يقدر مجهوداته ، أحسست أني خادمة في المطبخ ومومس مأجورة في بيت الزوجية…
لم أحس يوما أني شريكة لأحد، زوجي يسرع في تناول غذائه ليلتحق بأصدقائه في المقهى...في أحد الأيام ،طلبت منه مقاسمتي بعضا من وقته، تحجج بأوهام واهية...شاع بوجهه عني وتركني لوحدتي القاتلة. كرهت كل شيء،ولم تعد الحياة تجذبتي.. حتى محاولتي للإنتحار فشلت….
أخيرا، قررت أن أعيش وحدي وأستبد بعزلتي ، جسدي ملك لهم، يفعلون به ما يشاؤون وروحي هائمة في سماوات الأوهام، ترتشف بعضا من كينونتها المسروقة، من خلال الذكريات القديمة…وقعت وثيقة الطلاق العاطفي بيدي،بعدما أحسست أنه اشتراني لأكون خادمة له ولأبنائه…الأوراق الثبوتية تثبث شرعية زواجي...وحالتي تدل عكس ذلك، أنا مطلقة الطلاق الصامت منذ أمد بعيد..جسدي هنا وروحي هناك، تنتحب، ولا من يسمع نجيبها...
بقلم محمد مهداوي