بقلم الأديب جمال عتو
كعادتنا نلتقي اليوم في فقرة إضاءات نقدية بمنتدى نبض القلم للشعر والأدب متناولين نصا قصصيا قصيرا موسوما ب
" الناي لا يعزف إلا وحيدا " للكاتب المغربي نور الدين إبراهيمي .
الناي لا يعزف إلا وحيدا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المكان : كواليس مسرح المدينة.
الزمان : لحظات قبل بداية الحفلة الكبيرة.
كل الآلات الموسيقية مركونة بمدخل الركح على اتم الاستعداد لتأدية سيمفونيتها ، فجأة ارتعش الناي بشدة و صاح في اصدقائه معلنا عن رغبته في التخلي عن بحته الحزينة المعهودة ، ثم طلب من الجميع ان يساعدوه في البحث عن صوت جميل يشبه اصواتهم و يليق بقيمة الحفل على امل التميز وسرقة الانظار .
حاول الدفًّ ان يقرضه من ايقاعه و خفته ففشلت محاولاته ، كذلك اراد الكمان ان يرش عليه من حيويته و جهورية صوته فتعذر عليه الامر. بدء العود ينقط بعضا من نوطاته لعلها تركب على ثقوب صديقه، لكن شيئا من هذا لم يحدث . توالت المحاولات و تعددت من جميع الآلات. و ما هي الا لحظات حتى اصبح العزف جماعيا و الناي يحاول التقاط ما يبحث عنه ، لكنه لم يستطع لذلك سبيلا . و امام هذا الفشل ، انفطر قلب الناي حزنا و انزوى على جنب ،و أطلق العنان لبحته الحزينة بكل عفوية .توقفت كل الآلات عن العزف من اجل الاستمتاع بجمال هذا الصوت الشجي العذب و تمنت كل واحدة منها لو انها تملك هذه البحّة و كذلك تمنت لو ان هذا العزف المنفرد لا يتوقف أبدا....
نورالدين.إ
_____________________""""""""""""____________________
نحن امام نص قصصي قصير ، عميق في معناه ، قوي برمزيته ، يشتغل على عنصر التكثيف من دون الاستغناء عن التفاصيل الصغيرة لكنها تؤدي إلى مفردات عامة مفتوحة على قراءات متعددة ، فجمال النص بين أسطر السرد ، الكاتب لم يستدعي شخوصا عادية كما نجدها في أغلب النصوص الأدبية بل ساءل أدوات اللحن بطلها كان الناي ببحته الحزينة ، فبعد أن كان الاستعداد جاريا في كواليس مسرح المدينة لحظات قبل بداية الحفلة الكبرى وإقصاء للجمهور المتعطش للاستمتاع باللحن الجميل ينبري الناي ليعلن تخليه عن بحته الحزينة ، فحاول أصدقاؤه أن يمدوه بايقاعاتهم في موقف أشبه للتعاطف والتآزر أمام انزوائه وانكسار خاطره ، لكن رغم امتثال الدف والكمان والعود لهذا الموقف الجميل باءت محاولة الناي بالفشل في التقاط ايقاعات منهم ف " انفطر قلب الناي حزنا وانزوى على جنب وأطلق العنان لبحته الحزينة بكل عفوية " ، هذا الانزواء الصادر عن الاندفاع الفطري سيولد لحظة ولادة طاقة عصية عن الوصف عبر عنها الكاتب : " توقفت كل الآلات عن العزف من أجل الاستمتاع بجمال هذا الصوت الشجي العذب وتمنت كل واحدة منها لو انها تملك هذه البحة وكذلك تمنت لو أن هذا العزف المتفرد لا يتوقف أبدا " .
النص استدعى الرمزية لايصال المعنى ، فالناي رغم بساطته الظاهرة إلا أنه يعد عنصرا مهما للغاية في ايقاع المجموعة الموسيقية وتقاطيعه تهب للمجموعة روحا كأنها مهداة من السماء ، في بحته بوح يأتي بكل أمر دفين وثقوبه يصدر منها حوار أزلي يسحر الآذان ويأسر الأفئدة ، ثم أن الناي في هذه الرمزية يحيلنا إلى أن أي إنسان له من الخصوصيات مايتميز بها عن غيره وليس من الواجب أن يذوب في الآخرين ويتقمص أدوارهم ، فالاختلاف سنة كونية والطبيعة تخشى الفراغ ، فليس من الضروري أن تعيش فقط لتكون تحت جبة الآخر ، فلديك ما يكفيك أن تكون فاعلا بشخصك وقدراتك وإرادتك وكينونتك ، ثم كما حدث للناي فقد ينبري الآخرون لإنقاذك بالعمل الخطأ وفي اللحظة الخاطئة بيد أن لديك ما ينهضك ويحملك بعيدا في الأداء والفعل ، وكما اندفع الناي منزويا ليؤمن مجددا بذاته ويخرج من ثقوبه الساحرة بحته الآسرة فتوقفت الآلات الأخرى مشدوهة أمام أدائه فقد يندفع كل واحد مني بقدراته فيصنع الحدث ، فقط يجب أن يؤمن بذلك ويغسل تردده بماء العزيمة والإرادة والإصرار .
رمزية النص أضفت عليه سحرا لا يمكن للقارئ أن يتحرر منه وجعلته منطلقا للانفتاح على مفاهيم الجمال والأداء والأنا والآخر والحدث والانكسار والانعتاق والنهوض والتأثير .
نص الكاتب نور الدين ابراهيمي استجاب لمحاور القصة وعناصرها من بداية ونهاية وشخوص وزمان ومكان وعقدة وانفراج .
أسلوب القصة جنح إلى السلالسة في التعبير الموصل إلى المعنى المقصود مستدعيا عنصر التكثيف ، فرغم قصر النص نجح الكاتب في اختزال المراد اختزالا .
ويبقى نص اليوم عميقا مادام اشتغل على المفاهيم التي ذكرناها رأيناه مهما للغاية لتقديمه هذا الأسبوع .
إلى أن نلتقي في الأسبوع القادم مع نص آخر وقلم آخر نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه .
قراءة ممتعة .