السنابل العامرة
توقفت فراشة سائحة وسط حقل قمح، سنابله مشرئبة في السماء، تكاد تعانق الغيوم لطول هامتها، فأحسّتْ بالراحة، خاصة وأن الهواء المنعش، ساعد الغصن على التمايل يمنة ويسرة، محدثا سيمفونية لحنية رائعة أنستْها هموم الحياة، تساءلت للتو عن سبب هذه العجرفة قائلة:
-عجبا، لِمَ فارغات السنابل دوما باسقات ؟؟؟!!
لم يتأخر الجواب كثيرا فردت عليه عصورة صغيرة:
ملأى السنابل تنحني بتواضع
والفارغات رؤسهن شوامخ
وللتو تبادرت عدة صور مقززة في ذهن الفراشة لرؤوس فارغة تملأ منابرنا، تسير دواليب سياستنا وتؤثث العمل الثقافي وتسير قطعانا من الكلاب المروضة…
ذاك السياسي الحافظ لأبجديات الحوار، الحاذق في خلق الأعذار والماهر في تسطير شوارع المراوغة، قادر على تدجين البشر وتنويمهم، من أجل سلطة ِزائلة…
تساءلت الفراشة :
-عجبا لقد كنت أعتقد أن السنابل كلها عامرة، لكن تبين لي أن مجتمعنا يعج بالفارغات منها، وهي التي تظهر في كل مكان، لفراعة طولها، وفضولها وتشدقها وتطفلها الدائم…
هي محشوة في إداراتنا ومدارسنا وجامعاتنا ،مدننا وقرانا، سهولنا وجبالنا…
هي التي تحدث طنينا مزعجا، نسمع له جعجعة ولا نرى له طحينا، هي التي تشرئب رؤوسها عنان السماء، لتظهر للعيان كالغيم الأسود، الخاوي من قطرات المطر…
فجأة ترجل فلاح من فوق فرسه، تأوه تأوه شديدا، وبدأ ينزع الفارغات من السنابل بيديه القويتين ويلقي بها في العربة، وهو يردد :
-مثلكن لا تصلح إلا تِبْنا للمواشي والدواب…
تنفست السنابل الشامخة الصعداء، بعدما أحست بنسائم جميلة تلف عنقها، وأحست لأول مرة أن انحناءها وتواضعها، فيه الكثير من الخير والبركة…
أخيرا فهمت الفراشة الدرس، وتشربت هذه الموعظة الدالة… طارت على بعد أميال، فنزلت ضيفة على سنبلة منحنية كأنها ساجدة، تبادلتا التحية، وأقسمتا أن تترافقا سويا بقية عمرهما ورددتا حديث رسولنا الكريم: "من تواضع لله رفعه"...
بقلم محمد مهداوي