. * الوَترُ العَاشِرُ *
المُوسِيقىٰ توقظ النَّائِم من سُبَاتِ الرَّقدةِ وتبعثُ الحياةَ في القلبِ الميتِ وتحرِّر النفس بأجنحةِ النُّهُوضِ من وسطِ أغلال البَلادةِ والفُتُورِ ومِن رهقةِ الإعياءِ ومن مَا عليها من بُؤْسِ حِملِ أثقالٍ، في لحظةٍ مَا قد يدورُ بأحدٍ الشُّعُورِ على وِسَادةِ الغيْبُوبَةِ لكأنّهُ يَدورُ في دُوَّامَةِ الخُمُولِ لأكيدِ ٱضْمِحلالٍ، لكأنَّمَا من على شفا جُرفٍ شَاهِقٍ يَهوِي لِهَاوِيَةٍ سَحِيقةِ الغورِ وهُوَ كمَنْ تلحفَ النّومَ العميقَ المُجتاز دوائِرَ الأحلامِ حيث الهَجْعة في غائِرَةِ السُّبَاتِ، وحين ذاك وفي ذاتِ اللَّحظةِ وقبل أنْ تلفهُ الظَّلمَة بردائِهَا القشرِيِّ لبقايَا إنْسَان يَتهادىٰ إلى سَمعِهِ أصداءُ إيقاعِ ترافدِ ألحانٍ خفِيَّةٍ من خفايَا جَوَّانِيَّتِهِ ومَا تلبث إلّا بتجلّي حُضُور أجواق مُوسِيقىٰ لبَين يديِهِ إذ تنبعثُ مُجنحة من جنانِ أفئِدتِهِ لتحلّ في عَيْنِ نفسِهِ شعلةً من نارٍ ونُورٍ تنهدُ لهَا إرادتهُ لكليَّةِ أتّحادِهِ في كُلِّهِ لكأنَّ مجامع نفسِهِ أُخِذت بسُلطانٍ على دربِ سِحرِ الٱنجِذابِ، فإذا هُو يقظٌ حيٌّ يَحيا في شعشعةِ جَمَالِ النّورِ بنشَاطِيَّةٍ فائِقةِ الهمَّةِ على سُلم كلِّ ٱرتِقاءٍ، ألآ إنَّ تلكُم آيةٌ من معجزاتِ المُوسِيقىٰ إذ تبعث في العرقِ اليَابِسِ نسغ الحيَاةِ وتحطم قيُود الأسرِ لحقيقةِ التحررِ، فإيَّاكم يَا مَلأ الفِطنةِ ألّا تعانقوهَا بصِدقِ المحبَّةِ عِناقا ليس من البَّرَّانِيَّةِ من شدوِ ألحانٍ مَسْمُوعَةٍ وحسب وإنّمَا كذلك من باطنٍ ومَا يُرسِلُ لكُم من لطائِفِ تغريدِ ألحان.
المُوسِيقىٰ تبعثُ نورًا أزهرًا وتُلقي جَمَالا بهيّا، إنَّهَا لا تبارىٰ إذ لهَا السّبقُ في بعثِ خفايَا الحقّ في مُتونِ الوَاعِيَةِ لحَقِيقةِ كينُونةِ الحيَاةِ وإنّها المُلهمةُ لكُلِّ سِرِّ تجلي وإتقان إبداع، كأنَّهَا قطراتُ النّدىٰ على أكمامِ الوَردِ لنضَارةِ تفتحهَا وعناقيدٌ ٱختمَرَت في أجرانِهَا لكؤوسِ المَحَبَّةِ وبِيَدِهَا المِنْوَالُ الذي تنسجُ عليهِ الأضْدَاد بأجْنِحَةِ الرِّيحِ لِمَن رامها بِصِدقٍ حين المُتناقضات تتعاشقُ لأكمَلِ ٱتَّزانٍ حيث التناظر والتباينُ في توافقِ مُصافحةٍ يرتشفان من كأسِ تناغمِ الٱئتِلافِ، وإنَّهَا مفاتيحُ الكنوز التي بين الأيدي التي عليهَا أقفالها والكُوّة التي منها الولوج لفضَاءَاتِ كُلِّ إبهارِ ضِيَاءٍ.
هي المُوسِيقىٰ تسبيحةُ الإيْمَانِ في منطقِ التناسقِ بِحَيوَاتٍ تشبُّ بِأنْعُمِ الكمَالاتِ لطُوبَىٰ الحَيَاةِ في سُمُوِّ إِنْسِيَّةِ الإنسَانِ أيَّان يَسمعها على مَرَاقِي عليِّين وأيَّان يُبصرها في آي حُسَّان.
فسَلامٌ للذي بمُوسِيقاهُ حَمَادُ الضَّمِيرِ يُنزههُ عن كلِّ نقصٍ إليهِ أوابٌ لٱرْتِفاعِ كلِّ نظرٍ لِسامِين، والسَّلامُ الخالصُ الكُلِيُّ لِلّذين أخذوا الخيرَ من كلِّ أمرٍ ومَا لهُم من صَالحٍ في أيٍّ مِن شَرٍّ، هؤلاء نبذُوا البُجْرَ الذي يحيطهُمْ بظلمَاتِ اليأسِ وبمهازلِ التَّأيِيس ووَعُوا أمرَهُم في المِيزانِ الإِنْسِيِّ لأنصع الصَّفاءِ، وبتوازنٍ على كلِّ أمرٍ ودقيقِ غربالٍ أسقطوا مَا تسفلّ وخبث لعناق صَرِيحِ كلّ طيبٍ بعظيمِ محبّة إذ الكلُّ إخوانا رِيَاشُهُمُ التآلفُ وأنسَامُهُمْ في رَوحَاءِ الٱنسِجَامِ لا في حِمَامِ الكَرَاهَةِ بعضهُم البَعض يُهلِكُون.
إنَّ أبْهَىٰ المُوسِيقىٰ التي من نتاجِ عبقرِيَّةِ الإنسَانِ أبدًا لا ترفض ولا يرفضها إلّا المأسُور في الظَّلمةِ والمَخْبُول، إنَّمَا يُرفض نشاز المُوسِيقىٰ ومَا علق عليها من وَضِيعٍ ردِيءٍ وطالحٍ فاسدٍ من خطلِ عزفٍ ومن إفسادٍ على إيقاعٍ ونغمٍ وعلى ما طبِع على طابِعِ صَوتِهَا من ٱختلالٍ يُهَيِّجُ الٱشْمِئزَاز، فتولوها لمَسَارِبِ الجَمَالِ تكن لكُمْ نعمة الدَّارةِ للسُّكنىٰ ونقيَّ الهَواءِ لأفئِدةٍ ترومُ النقاء.
ألآ ٱرقصي يَا أيَّتها الطّبيعةُ على أنغامِ صوتِ الإنسَانِ، وكذا ٱرقصي أيَّتُهَا الأزهارُ على أنغامِ تساقطِ حَبَّاتِ المَطرِ، فالعَيْنُ الرَّمداءُ هي التي من رقِيقِ الضُّوءِ تنكسفُ مطبقةً على الظَّلمَاءِ، فعارِيًا صَوتُك يا أيُّها الإنسَانُ من زَيفٍ ونِفاقٍ ولا يَنسكبُ منهُ في الأسماعِ إلّا صَرِيح الحرفِ المُنسابُ على أوتارِ بهجةِ الحيَاةِ وسَكِينَةِ السَّلام.
ألآ لتذيع الأشجارُ إذ ما عانقتها هباتُ حرَّةِ الرِّيَاحِ مُدهشَ تسَاوقِ نسِيجِهَا المُتقن لأنضج الثمارِ حلاوةً لقِطافِ هناءَةِ الٱنشِرَاحِ، فالأذنُ التي فيهَا نباهةُ السَّمعِ تسمعُ نشوةَ حَبْرَةِ الحفِيفِ حين أجْنِحةُ النَّسمَاتِ تعانقُ العسالِيج لا التي فيهَا الوقرةُ لا تقع إن وقعت إلَّا على قباحةِ صراخِ عوِيلِ مهاوِي الظّلماتِ التي فحيحًا تفحُّ بأنشازِ العُبُودِيَّةِ والشُّرُورِ.
ألآ ولتصدح نوافيرُ بركةِ المَاءِ بفاتِنِ مُتلألِيءِ مَعزُوفاتِهَا التي تأخذ النّفسَ عميقا لرِحلةِ التَّأمُّلِ في شِرَاعِ رَوِيَّةِ السَّكِينةِ فإذا مَا تنبهت من غفوتِهَا عمَّا يحيطها ليقظةِ الصَّحْوَةِ كانت في ذهولٍ من ترحالِ مَا كانت فيهِ من شُرُودٍ على أجنح الإشراقِ، وما كانت الغفوةُ على الحقِيقةِ إذ كانت إلّا على مدارج عظِيمِ الٱنتِباهِ والٱستِيقاظ.
وهل يعبئُ البلبلُ حين يشدو مُنشدًا إلّا بتجلياتِهِ، فكفىٰ بكلٍّ ألّا يَعمَىٰ فؤادُهُ عنِ التماهِي في سَكْرَةِ الجَمالِ بكُلِّ حريَّةٍ وصِدقٍ.
ألآ غني يَا حبيبتي على أوتارِ قلبي فمَا شدو رُوحكِ ومُوسِيقىٰ فؤادِي إلّا عاشِقان جمعهُمَا كأسُ الحُبِّ لثمَالةِ شغفِ العِشقِ ومَا يَدرِي كلاهُمَا أيناهُ من المَكانِ والزَّمَانِ فإذا مَا ٱنتبهَا أَحَسَّا بجاذبيَّةِ الأرضِ ودورانِ مؤشرِ الوقتِ من بعدِ توغلهُمَا في كاملِ التَّحررِ عمَّا كان بهمَا يُحيط فما لغائِبٍ على شاهِدٍ من لحيظٍ.
ألآ هاتي حبيبتي أنفاسَ قصبَةِ النّاي وٱهتزازاتَ أوتارِ القيثارةِ وٱرقصِي فوق جمرِ نيرانِ فُؤادِي لعلَّ السَّمَاءَ بمُوسِيقاها تمطرُ قطرَ أجذلِ الٱبْتِهَاجِ، ولَعَلَّ نوافذ قبابِهَا تُشرعُ لأجْنِحةٍ أشدَّ من أجنحةِ النّوارِسِ والعقبان لترفُّ وتزفُّ بالحريَّة التي تجوبُ بشامِخِ مُوسيقاتِهَا أبعاد أحلامِ النفسِ المضطجعة على وِسَادةِ أحلام الأمنياتِ، لعلَّها حُرَّة تتدفقُ كنهرٍ عظِيمٍ يَنسكبُ في حقُولِ سويداءِ القلبِ وحدائِقِ مُهْجَةِ الرُّوحِ، نهْرٌ كلّمَا طوىٰ بعض أرضٍ ٱنْسَحَّت فيهِ روافدٌ من مَاءٍ فراتٍ عذبٍ من شوامخِ قممٍ لا تنقطعُ فيُوضَاتهَا تُحيي حَيَوَاتِ تجلّي النّشوةِ في شغفِ اللّذةِ على إيقاعاتِ قرع طبُولِ مُشتهياتِ لوَاعِجِ الفُؤادِ وكذا في مَحبَّةِ الحِكْمَةِ شغفًا على ألحانِ تنغِيمات العقل حيث رزانة الٱتزان.
فهَاتِي يَا حَبِيْبَتِي وهاتي أنغامَ عشقِ وُلُوعِ الوِصَالِ اللّاهِبِ وألحانَ وقارِ الحِكْمَةِ ولنولّي أفئدتنا صَوب النُّور، فالذي يحيا في الحريَّةِ والسَّلام هُو يا حياةَ مسرَّتِي الحيُّ.
تي يَا حبيبتي عذوبةِ مُوسِيقاكِ فإنَّ فيهَا شِفاءٌ للنَّفسِ وفيها سُكنىٰ الجسدِ وللرُّوحِ نعمةُ الحيَاةِ لمعنىٰ كلِّ خيرٍ وجَمَالٍ.
من كتاب الموسيقىٰ لمؤلفه :
المهندس أبو أكبر فتحي الخريشا
( آدم )