كَأَنَّ الوُجُوهَ تُخَاطُ مِنْ ضَبَابِ الفَجْرِ
فِي مَلْعَبِ العَدَمِ الَّذِي يَرْقُصُ عَلَى حُرُوفِ صُمْتِنَا المُعْتِمِ.
نَقْرَأُ العُيُونَ كَأَسْرَارٍ مُغْلَقَةٍ بِمِفْتَاحِ بَحْرٍ غَارِقٍ،
هُنَا.. حَيْثُ تُبَاعُ المَسَافَاتُ بِقِطَعٍ مِنْ ظِلِّنَا الذَّائِبِ،
تَعْبُرُ القُلُوبُ كَسُفُنِ زُجَاجٍ عَلَى مُحِيطِ لَظَى..
تَحْمِلُ صَرِيرَ الأَحْلَامِ.
حِينَ تَصِيرُ اللَّحَظَاتُ كِهَافًا لِهَرَبِ الوُجُودِ.
لَا تَسْأَلِ الكَمُّ..
دَعْهُ يَنْزِفُ كَطَلَلِ القَمَرِ العَتِيقِ.
مَا أَرْسَلْتُ قَلْبِي لِيَبْكِي..
أَرْسَلْتُهُ لِيَدْفِنَ وَعْدًا فِي صَحْرَاءِ حَرْفِكِ.
هَكَذَا يُولَدُ الخَفَقَانُ فِي قَلْبِ اللَّيْلِ الرَّقْمِيِّ،
نَحْنُ لَا نَسُجُّ ذِكْرَيَاتٍ.. بَلْ نُطَوِّقُ أَعْنَاقَنَا بِحِبَالِ الشَّوْقِ المُهْتَرِئَةِ.
كُلُّ رِسَالَةٍ: صَوَارِيخُ صَمْتٍ تَنْفَجِرُ فِي سَمَاءِ غِيَابِكِ،
نَرْقَعُهَا بِرُقْعَةِ دَمٍ وَحَرْفٍ يَسْقُطُ كَالنَّدَى.
مَا بَيْنَ الحَرْفِ.. وَالحَرْفِ: صَحْرَاءُ تَصْرُخُ.
أَتَرَاهَا؟ تِلْكَ الرَّعْشَةُ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ جَوْفِ الصَّمْتِ كَشَظَايَا نَجْمٍ؟
يُقَالُ.. وَأَنَا أُعْشِقُ الجُرُوحَ إِذَا اسْمُكِ كَانَ الخَيَّاطَ!
فِي هَذَا الأَزْرَقِ، حَتَّى السَّابِحُونَ فِي أَنْهَارِ العَدَمِ يَرَوْنَ ظِلَّكِ.
كُلُّ "قُرِئَتْ": هَدِيَّةٌ نُقَدِّمُهَا لِسُجُونِ الزَّمَنِ الجَرِيحِ.
أَيُّهَا الشَّاهِدُ الَّذِي يَبْكِي خَلْفَ أَسْطُرِ الضَّبَابِ
أَنْتَ المَسَافَةُ الَّتِي تَذُوبُ فِي فَمِ الغِيَابِ،
وَأَنَا النَّبْضُ الَّذِي يَخْتَنِقُ بَيْنَ أَصَابِعِ الفَرَاغِ.
نَزْرَعُ الوَجَعَ كَنُجُومٍ مَيِّتَةٍ فِي حَقْلِ الشَّاشَةِ القَاحِلِ.
اقْرِئِينِي كَأَنَّكِ تَمْسَحِينَ الغُبَارَ عَنْ مَرَايَا الطُّفُولَةِ المُهَشَّمَةِ.
فَأَنْتِ: الغُمُوضُ الَّذِي يَبْكِي، وَالصَّمْتُ الَّذِي يُنْشِدُ.
أَنْتِ مَنْ تَحْمِلِينَ بَيْنَ أَضْلَاعِهَا جِسْرًا لِقِيَامَةِ الهَوَى..
حَيْثُ تَنْزِلُ الأَيَّامُ كَأُمٍّ حَزِينَةٍ تُنَظِّفُ أَثَرَ أَقْدَامِ الرَّاحِلِينَ.
الرَّقْمِيُّ: مَذْبَحَةٌ لِلْهَوَاجِسِ الَّتِي لَمْ تَصِلْ!
كُلُّ نَقْرَةٍ: سِجْنٌ لِفَرَحٍ مُؤَجَّلٍ.
أَيَّتُهَا الغَرِيبَةُ المُعَلَّقَةُ فِي مُحْنَةِ البُعْدِ
إِذَا وَصَلَتْ كَلِمَاتِي حَمَلَتْ أَحْزَانًا.. فَاعْلَمِي أَنِّي
عَانَقْتُ جَسَدِيَ الَّذِي أَكَلَهُ الصَّبْرُ،
وَأَنْ دُمُوعِي صَارَتْ بُحَيْرَةً تَسْبَحُ فِيهَا رُسُلُكِ الغَائِبَةُ.
نَحْنُ فِي هَذَا المَكَانِ: كَلِمَةٌ تَخْطِفُهَا الرِّيحُ قَبْلَ أَنْ تُولَدَ،
وَالقَاءٌ: لَحْظَةٌ تَتَكَسَّرُ فِيهَا مَرَايَا الزَّمَنِ العَقِيمِ.
لِقَاءٌ لَا يَمُوتُ.. لِأَنَّهُ لَمْ يُولَدْ!
الوَجْدُ الأَزْرَقُ: هُوَ أَنَّكِ تُولَدِينَ مَرَّتَيْنِ..
مِنْ قُبْلَةٍ غَارِقَةٍ فِي بِحَارِ العَدَمِ،
وَمِنْ دَمْعَةٍ تُسْكَبُهَا عُيُونٌ مَخْفُوقَةٌ عَلَى مَذْبَحِ الحُنَيْنِ.
اقْرَأْ كَأَنَّكَ تَسْتَنْشِقُ ظِلَّ وَرْدَةٍ مَغْمُوسٍ بِرُمَادِ الذِّكْرَيَاتِ.
تَشْرَبُ صَمْتَ الوَعْدِ الكَاذِبِ كَكَأْسِ سُمٍّ مَذَابٍ فِي عَسَلِ الغَفْلَةِ.
تَبْنِي جُرْحَكَ بِقِطَعٍ مِنْ شَظَايَا الكَوَاكِبِ..
لَيْسَ لَنَا إِلَّا هَذِهِ الفَتْحَةُ السَّوْدَاءُ الَّتِي تَدْخُلُ مِنْهَا أَشْبَاحُنَا..
فَكُونِي لَيْلًا يَخِيطُ ثَوْبَهُ مِنْ دَمِ العُشَّاقِ المُتَبَقِّي!
---
صَلَاحُ المَغْرِبِيِّ