الأحد، 3 أغسطس 2025

Hiamemaloha

كرسي الاعتراف للشاعر سالم غنيم

 كرسي الاعتراف


كان الكرسي في منتصف الغرفة، ثابتًا كحقيقة لا يمكن تجاهلها. خشبٌ قاتم،

 مصقول بطبقات من الزمن، تحيط به أربعة جدران 

بلا نوافذ، ولا ساعة، 

ولا مرآة... 

فقط مصباح يتدلّى من السقف، يهتزّ قليلًا كقلب متردد.


دخل الرجل الأربعيني بخطى بطيئة.

لم يكن يعرف كيف وصل إلى هناك، 

ولا لماذا.

فقط، وجد نفسه واقفًا أمام الكرسي، 

كما يقف المذنب أمام المقصلة.


صوت ناعم، حيادي، بلا ملامح، خرج من مكبّر مخفيّ:

– اجلس.


جلس.

صمت.

لم يسأله أحد عن اسمه. لم يُطلب منه أن يبدأ.

لكنّه بدأ.


– أنا... لم أكن أريد أن أؤذي أحدًا.


صوته خرج مرتعشًا، كأنه يسمعه لأول مرة.

– لكنّي فعلت. مرات كثيرة. بعضها بقصد... 

وبعضها من غير نية. بس بالنهاية... كلهم تأذّوا.


ظهر على الجدار المقابل ضوء خافت، تكوّن تدريجيًا على هيئة ظلال... 

لم يكن وحده في الغرفة.

كانت هناك ظلال لأشخاص...

 وجوه تعرفه.


– أبي... ما كنت أكرهه. كنت أخافه.

 كبرت على صوته العالي، 

وأيديه السريعة. 

ويوم مات... 

ما بكيت.

أختي؟ 

لما طلبت مساعدتي تهرب من زوجها، تجاهلتها.

 قلت: ما بدي أتدخل. 

بعد شهرين، ماتت بحادث... 

أو انتحرت، 

ما بعرف.


الكرسي لم يهتز، لكنه شعر أن الأرض تحته تميد.


– زوجتي؟ 

خانتني. 

بس ما سألت نفسي:

 ليش؟

كنت طول الوقت مشغول بإثبات أني الصح، 

أني الضحية، 

وأنا...

 أنا اللي ما شفتها وهي تنهار كل يوم.


صوت المكبر عاد، 

بنفس البرود:

– تابعتَ؟


ابتسم بسخرية:


– كل يوم. تابعت الشغل، 

والناس، 

والتمثيل.

صرت ألبس وجوهًا ما بتشبهني، 

أضحك حيث يجب، 

وأصمت حيث يُفترض،

 وأتجنّب المرايا.


فجأة، ظهرت صورة على الجدار: 

وجهه.

ليس كما يراه في الصور أو المرآة، 

بل كما هو فعلاً: مرهق، مكسور، يائس... وعيناه غارقتان في الذنب.


أغمض عينيه، ثم همس:


– أكتر شي بخوف...

 إنك تصير غريب عن نفسك، 

وتحسّ إنك ما بتقدر ترجع.


سأله الصوت:


– هل هذا اعتراف؟


فكّر،

 ثم أجاب:


– لا... هذا مجرد بداية.


في اللحظة التالية، 

اختفى الكرسي.

 وجد نفسه واقفًا وحده، 

والغرفة صارت مرآة ضخمة، 

تعكس كل ما حاول نسيانه.


الصوت الأخير قال:


– الاعتراف الحقيقي...

 هو أن تتوقف عن الكذب على نفسك.


انطفأ الضوء.


وخرج.


ولأول مرة منذ سنوات... شعر أنه خفيف.

سالم غنيم 

حكواتي الوجدان الشعبي 

من مجموعتي القصصيه 

كرسي الاعتراف

Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :